فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 1257

والمراقبة هي التي تجعل الإنسان أمينا على الأموال بين يديه، فقد يستطيع أن يسرق منها أو يختلس، ولكن صوتا من الأعماق ينهاه، لأنه يرى على الدوام نور مولاه. والمراقبة هي التي تجعل الإنسان يؤدي عمله على خير ما يكون الأداء، لأنه لا يرائي في عمله كبيرا أو رئيسا، ولكنه يراقب ربّه، ويتذكر قول نبيه: «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه» .

وما دمنا قد عرفنا من قبل أن المراقبة تنمو وتعلو بطول المجاهدة، وما دامت عزائم الناس تختلف، فمن الطبيعي أن تتفاوت درجات أهل المراقبة، فمنهم سابق مبرّز، ومنهم معتدل متوسط، ومنهم بادئ يسعى نحو غايته، ولقد تحدث حجة الإسلام الغزالي عن درجات المراقبة، فجعلها درجتين، والدرجة الأولى في تصويره وتعبيره هي درجة الصديقين، وهي كما يعبّر - درجة التعظيم والاجلال، أي أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال، وخاضعا تحت الهيبة فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلا، وهذه مراقبة مقصورة على القلب، وأما الجوارح فإنها تتعطل عن التلفت إلى المباحات فضلا عن المحظورات، وإذا تحركت بالطاعات كانت كالمطبوعة عليها، فلا تحتاج إلى تدبير وتثبيت في حفظها على طريق الرشاد والسداد، ولا عجب فالقلب هنا هو القائد وهو الراعي، فإذا صار مستغرقا بالمعبود جل جلاله صارت الجوارح منقادة له، جارية على الطاعة والاستقامة بلا تكلف.

وصاحب هذه الدرجة من المراقبة هو الذي يصير همّه هما واحدا، ويكفيه الله سائر الهموم، وقد يغفل عن الخلق فلا يحس بهم، ولا يرى منهم، ولا يسمع لهم.

والدرجة الثانية هي درجة الورعين من أصحاب اليمين، وهم قوم غلب على قلوبهم يقين اطلاع الله على ظاهرهم وباطنهم، ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال

بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال، متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال، إلا أنها مع ممارسة الأعمال لا تخلو من المراقبة، وإن غلب عليهم الحياء من الله تعالى، فلا يقدمون ولا يحجمون إلا بعد التثبت والتدبر، ويمتنعون عن كل ما يفتضحون به في القيامة، فإنهم يرون الله في الدنيا مطّلعا عليهم، فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت