فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 1257

ومن فضل الله العميم على صاحب فضيلة المراقبة أنه إذا صدق في مراقبة الله جل جلاله في باطنه وخواطره، عصمه الله من الإثم والانحراف في جوارحه وظاهره، ولذلك أجمع الصوفية - كما يذكر ابن القيم - على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر سبب لحفظها في حركات الظواهر، فمن راقب الله في سرّه حفظه في حركاته وعلانيته. وهذا الحفظ الإلهي يجعل العبد المؤمن في حال الرضى والأمن والاطمئنان، فالمراقبة لا تستلزم الخوف الفازع، أو الرعب الهالع، بل إن المراقب الصادق يجد لذة روحية ونفسية في بلوغه هذه المرتبة السامية، التي تجعله مستغنيا بالله عن سواه، راضيا به عما عداه، ولذلك قال أحد الصوفية: «إذا كان سيدي قريبا مني فلا أبالي بغيره» .

ومن أعظم ثمرات المراقبة أنها تجعل المؤمن مشتغلا بحاضره ليملأه بأفضل ما تملأ به الأوقات، ولقد جاء في الأثر الإسلامي الكريم أن المؤمن ابن وقته، أي يشغل نفسه بما هو فيه، لا يتحسر على ما فات، ولا ينشغل بمستقبل لم يتحقق بعد، بل ينتهز ما بين يديه من وقت، فيتفرغ له، ويحصر جهده فيه، فإن قدر الله تعالى له مزيدا من الوقت تابع خطواته على طريق الاتقان المستمر وإن لم يتح له وقت لقي الله ربّه وهو على خير، وما أروع عبارة «الاحياء» حين تقول في ذلك:

«الساعات ثلاث: ساعة مضت لا تعب فيها على العبد، كيفما انقضت: في مشقة أو رفاهية، وساعة مستقبلة لم تأت بعد، لا يدري العبد أيعيش إليها أم لا، ولا يدري ما يقضي الله فيها، وساعة راهنة ينبغي أن يجاهد فيها

نفسه، ويراقب فيها ربه، فإن لم تأته الساعة الثانية لم يتحسر على فوات هذه الساعة، وإن أتته الساعة الثانية استوفى حقّه منها كما استوفى من الأولى. ولا يطول أمله خمسين سنة فيطول عليه العزم على المراقبة فيها، بل يكون ابن وقته، كأنه في آخر أنفاسه، فلعله آخر أنفاسه وهو لا يدري، وإذا أمكن ان يكون آخر أنفاسه فينبغي أن يكون على وجه لا يكره أن يدركه الموت وهو على تلك الحالة.

نسأل الله جلّ جلاله أن يعصمنا بعصمته، وأن يربطنا بحبل طاعته، وأن يكتب لنا نعمة مراقبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت