ولقد ذكر بعض المفسرين عند تعرضه لتفسير الآيات السابقة أن كمال الإنسان في هذه الحياة يتحقق بأمرين: أولهما العلم الصحيح، والآخر العمل الصالح، ورأس العلم الصحيح هو معرفة الله تعالى، ورأس العمل الصالح هو الاستقامة، أي الدوام على حالة «الوسطية» التي لا إفراط فيها ولا تفريط.
ولقد جاء في بعض الروايات أن هذه الآيات نزلت في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لأنه وقع في أنواع شديدة من البلاء والمحنة، ولم يتغير ألبتة عن دينه، فهو الذي قال: ربنا الله، وبقي مستقيما لم يتغير لسبب من الأسباب، وإذا صحت هذه الرواية فإنها لا تمنع أن تكون الآيات شاملة كل من استقام على الإيمان، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول العلماء.
ويقول القرآن الكريم في سورة الجن: (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا) (1) . أي لو اعتدلوا وساروا على الطريقة المثلى لأسقيناهم الغيث الكثير، وهذا السقي كناية عن الإنعام عليهم.
وكذلك يقول: (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) . ويعود القرآن بعد ما ذكره في سورة هود من مطالبة النبي وأتباعه بالاستقامة، فيقول في سورة الشورى: (فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ، وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ، اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) .
ولقد استجاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل استجابة لهذا الأمر الإلهي، فكان رسول الله هو المثل الأعلى في الاستقامة، استقام في حسه ونفسه، وفي قوله وعمله، وفي ظاهره وباطنه، وفي أمره كله. وبعد أن
(1) غدقا: كثيرا غزيرا.