وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وجاء من بعده الأحنف بن قيس الذي ضربوا به المثل فقالوا، «أحلم من
الأحنف». جاء فتعلم الحلم من قيس، حتى قال: «لقد اختلفنا إلى قيس بن عاصم في الحلم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه» . وقيل للأحنف: هل رأيت أحلم منك؟. فقال: نعم، وتعلمت منه الحلم. قيل: ومن هو؟. قال قيس بن عاصم المنقري، وقص القصة السابقة.
ومن الحلم المثالي للأحنف أن رجلا تبعه بالشتم حتى بلغ الأحنف حيّه، فقال للرجل السباب: يا هذا، إن كان بقي في نفسك شيء فهاته وانصرف لا يسمعك بعض سفهائنا فتلقى ما تكره.
ولقد عرف الحكماء منذ أقدم الأزمان مكانة الحلم وفضله، فقالوا فيه كثيرا، وهذا لقمان الحكيم يقول: «ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له» . واتفق سفيان الثوري وأبو خزيمة اليربوعي والفضيل بن عياض على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الجزع.
ولعل أوضح ثمرات الحلم هو تجنب الظلم ولو قلّ، والتباعد عن الاستجابة لهوى النفس الغاضبة، ولقد روي عن خامس الراشدين الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه أنهم جاءوا إليه برجل قد ارتكب خطأ، وكان عمر غاضبا، فقال له عمر: لو لا أني غضبان لعاقبتك. وكان خامس الراشدين إذا أراد معاقبة رجل حبسه ثلاثة أيام، فإن أراد بعد ذلك أن يعاقبه عاقبه، كراهة أن يعجل عليه في أول غضبه.
وليس الحلم رضى بالذل، أو تقبلا للهوان، وإنما هو ترفع عن الاستجابة للنزوة، أو التأثر بالوسوسة أو مقابلة السوء بمثله، وإلى ذلك أشار الغزالي حين قال إنه لا تجوز مقابلة الغيبة بالغيبة، ولا مقابلة التجسس بالتجسس، ولا السب
بالسب، وكذلك سائر المعاصي، وإنما الجائز هو القصاص على ما ورد به الشرع.
وإنما يقال للحلم إنه ذلّ أو شبيه به إذا كان عن عجز، ولكن الحلم المحمود هو ما كان عن قدرة، ولذلك قال الشاعر:
«والحلم عن قدرة فضل من الكرم»
وقال ابن زيدون مادحا:
عطاء ولا منّ، وحكم ولا هوى ... وحلم ولا عجز، وعزّ ولا كبر