فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 1257

واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار».

ومن وراء الأنبياء والمرسلين يأتي الصالحون من العباد، وإذا كان الله جل جلاله قد جعل رسوله محمدا مثلا عاليا في الحلم، فقد أراد لأتباع محمد عليه الصلاة والسّلام أن يسيروا على نهجه وسنته، ولذلك يقول القرآن الكريم عن الأخيار من هؤلاء في سورة الفرقان: (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا) وقد علق الحسن على هذه الآية فقال عن أصحابها: حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا.

وقد عني رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بالتوجيه إلى الحلم، والحث على الاتصاف به، فقال من حديث له: «إن الله يحب الحليم الحييّ ... » . ولقد جاء الأشج إلى الرسول فقال له النبي: إن فيك يا أشج خلقين يحبهما الله ورسوله. قال: وما هما بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ فقال النبي: الحلم والأناة. فسأله الأشج قائلا: خلقان تخلقتهما أو خلقان جبلت عليهما؟. فقال النبي: بل خلقان جبلك الله عليهما. فقال: الحمد لله الذي جبلتي على

خلقين يحبهما الله ورسوله.

وجاء في حديث آخر: «أشدكم من غلب نفسه عند الغضب: وأحلمكم من عفا عند المقدرة» . وكذلك جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحلم أحد أسباب ثلاثة يبتغي بها الإنسان الرفعة عند الله، وهي وصل من قطعك، وإعطاء من حرمك، والحلم عمن جهل عليك.

ولقد تألق في تاريخ هذه الأمة أفراد أعلام ضربوا القدوة في الحلم، وعلى رأسهم قيس بن عاصم المنقري، الذي يروون عنه أنه كان جالسا ذات يوم بفناء داره، وهو محتب بكسائه، فدخل عليه جماعة يحملون شخصا مقتولا، ويقودون شخصا مكتوفا، فقالوا له: هذا ابنك قد قتله ابن أخيك، فلم يضطرب ولم يفك حبوته، بل التفت إلى أحد أبنائه وقال له: قم فأطلق عن ابن عمك، ووار أخاك، واحمل إلى أمه مائة من الإبل، فإنها غريبة. ثم أنشأ يقول:

إني امرؤ لا يعتري خلقي ... دنس يغيّره ولا أفن

من منقر في بيت مكرمة ... والغصن ينبت حوله الغصن

خطباء حين يقوم قائلهم ... بيض الوجوه أعفّة لسن

لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن

ثم أقبل على ابن أخيه - وهو القاتل - فقال له: قتلت قرابتك، وقطعت رحمك، وأقللت عددك، لا يبعد الله غيرك. وفي قيس هذا يقول الشاعر عبدة بن الطبيب:

عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما

تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت