ولقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلمه الغاية المثالية، والدلائل على ذلك كثيرة وفيرة، منها أن أعرابيا جاءه يوما يسأله شيئا من المعونة، فأعطاه، ثم قال له: هل أحسنت إليك يا أعرابي؟ فاندفع الأعرابي بجهالة يقول: لا أحسنت ولا أجملت. فهمّ الصحابة يريدون البطش بالأعرابي، فمنعهم الرسول، وأخذ الأعرابيّ إلى بيته، وزاده في العطاء، ثم قال له: هل أحسنت إليك؟. قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال له النبي: إنك قلت ما قلت، وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإذا أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك. قال: نعم.
فلما كان الغداة - أو العشي - جاء الأعرابي فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه، فزعم أنه رضي، أكذلك؟. فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال النبي: «إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه، فتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحب الناقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها وأعلم، فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض (1) فردها هونا هونا، حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها،
(1) أي من حشائشها.
ومن روائع حلمه كذلك أن رجلا كافرا دنا من النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، ورفع الرجل السيف فوق النبي، فانتبه فقال له الرجل: من يمنعك مني؟. فقال الرسول بكل ثبات وطمأنينة: الله. فارتعد الرجل، وسقط السيف من يده، فأخذه النبي وقال: من يمنعك مني؟. فقال الرجل في ضعف: كن خير آخذ. فقال له النبي: قل أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فقال الرجل: لا، غير أني لا أقاتلك، ولا أكون معك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فعفا النبي عنه، وأطلق سبيله، فعاد الرجل إلى قومه يقول لهم: جئتكم من عند خير الناس.