وكذلك نلاحظ أن عددا من هذه الآيات الكريمة التي وصفت الله سبحانه بالحلم، قد اقترن فيها ذكر الحلم بالعلم: «وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ)، (وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) ، (وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) . وكأن الحكمة في هذا - والله أعلم بمراده - هي الإشارة إلى أن كمال الحلم يكون مع كمال العلم، بأمر يجمل معه الحلم من أهل الكمال والجلال والجمال سبحانه، وفي قول العربي الحكيم: «حلمي أصمّ وأذني غير صمّاء» ، ما يعين على فهم ذلك، فالحليم يعلم ما يثير أو يغضب، ولكنه مع ذلك يتمسك بالحلم.
ثم يحدثنا القرآن الكريم بأن الحلم خلق من أخلاق النبوة والرسالة، فيقول في سورة التوبة عن أبي الأنبياء إبراهيم: (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) . ويقول عنه في سورة هود: (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) . والأوّاه هو كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس، وهذا كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه، والحليم: غير العجول على الانتقام من المسيء إليه، والمنيب: الراجع إلى الله. ويقول القرآن الكريم في سورة هود أيضا على لسان قوم شعيب: (قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) . ويقول في سورة الصافات متحدثا عن إبراهيم ومشيرا إلى ابنه إسماعيل: (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) .
والأنبياء والرسل هم النماذج العليا بين البشر، فإذا أخبرنا كتاب الله تعالى بأن الحلم صفة من صفاتهم كان ذلك إشعارا أيّ إشعار بسمو هذه الفضيلة، ولقد
جاء في بعض الأحاديث أن الحلم من سنن المرسلين، ولما كان سيدنا رسول الله محمد هو إمام النبيين وخاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كان من الطبيعي أن يوضع في يده زمان الإمامة الخلقية بين هؤلاء الكرام، فلم يكن غريبا أن يوجهه ربه تعالى إلى قمة هذه الزعامة حين يقول له: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ، وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) . ثم يمن عليه بما يسر له من أسباب هذه الزعامة الخلقية فيقول له: «فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك» .