فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 1257

ويقول في سورة الأحزاب: (وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) . ويقول في سورة فاطر: (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا، وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا) . ويقول في سورة التغابن: (إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) .

وقد عرفنا أن الحلم في الأصل هو الأناة وضبط النفس، ولكن الحلم بالنسبة إلى الله تعالى هو الإمهال بتأخير العقوبة على الذنب، ولذلك قال ابن الأثير في شرح اسم «الحليم» إنه الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم. فقد جعل لكل شيء مقدارا وميقاتا فهو منته إليه. وذكر القرطبي في تفسيره «الحلم» بالنسبة إلى الله سبحانه ما يفيد معنى طرح المؤاخذة، وأنه باب رفق وتوسعة، وقد يذكّرنا هذا بقول الله جل جلاله: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) .

فإذا انتقلنا إلى رحاب الصوفية لتبين حديثهم عن «حلم الله» لوجدنا عبد الكريم القشيري في كتابه «التحبير في التذكير» يورد هذه العبارة: «قيل: الحلم تأخير العقوبة عن المستحق لها، فيكون من صفات فعله يوصف به في الأزل، وقال أهل الحق: حلمه إرادته تأخير العقوبة، فهو من صفات ذاته، لم يزل حليما ولا يزال، فيؤخر العقوبة عن بعض المستحقين، ثم قد يعذبهم، وقد يتجاوز عنهم، ويعجل العقوبة لبعضهم، فالأمر في ذلك على ما سبق به الحكم في الأزل، وتعلقت به الإرادة والعلم» .

وينبغي أن نلحظ في الآيات الكريمة التي وصفت الله سبحانه بصفة الحلم

بعض الإشارات، فقد اقترنت صفة الحلم في أغلب هذه الآيات بصفة المغفرة أو العفو، ويأتي هذا الاقتران في الغالب بعد إشارة سابقة إلى خطأ واقع أو تفريط في أمر محمود، وهذا أمر يتواءم مع الحلم، لأنه تأخير عقوبة، والعقوبة توحي بوجود أمر يستدعيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت