وكذلك ينبغي أن نفهم أن التقوى لا تعارض التمتع بزينة الله تعالى التي اباحها لعباده، وقد كان خيار السلف يتمتعون بها ويضربون مع ذلك أمثلة للتقوى، وحسبك بالإمام مالك بن أنس قدوة في ذلك، فقد كتب إليه يحيى ابن يزيد النوفلي يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على رسوله محمد في الأولين والآخرين، من يحيى بن يزيد بن عبد الملك إلى مالك بن أنس: أما بعد، فقد بلغني أنك تلبس الدّقاق، وتأكل الرّقاق، وتجلس على الوطيء، وتجعل على بابك حاجبا، وقد جلست مجلس العلم وقد ضربت إليك المطيّ، وارتحل إليك الناس، واتخذوك إماما، ورضوا بقولك، فاتق الله تعالى يا مالك، وعليك بالتواضع. كتبت إليك بالنصيحة مني كتابا ما اطلع عليه غير الله سبحانه وتعالى، والسّلام» .
فرد عليه الإمام مالك يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. من مالك بن انس إلى يحيى بن يزيد. سلام الله عليك.
اما بعد، فقد وصل إليّ كتابك، فوقع مني موضع النصيحة والشفقة والأدب، امتعك الله بالتقوى، وجزاك بالنصيحة خيرا، واسأل الله تعالى التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اما ما ذكرت لي إني آكل الرّقاق، والبس الدّقاق، واحتجب، وألبس الوطيء، فنحن نفعل ذلك، ونستغفر الله تعالى، قد قال الله تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ
الرِّزْقِ). وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه، ولا تدعنا من كتابك، فلسنا ندعك من كتابنا، والسّلام».
نسأل الله جل جلاله أن يزيننا بفضيلة التقوى، وأن يبعث بها في نفوسنا روح المراقبة له سبحانه، حتى تصير نفوسنا بذلك تقية راضية مرضية: «والعاقبة للتقوى» .