فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 1257

وتستوعب طاقتها وجهدها، لأن ربها تبارك وتعالى يقول لها: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) . وقد قيل إن التقوى حق التقوى هي أن يطاع الله فلا يعصى ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وقيل هي أن يجاهدوا في الله حقّ جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم، وقيل هي أن يؤدوا واجبات التقوى حتى لا يتركوا أيّ جزء يحق فيها ويوضّح هذا القول ويؤكده قول الله تعالى، (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي بالغوا في التقوى، حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا.

وإذا تحققت التقوى من عباد الله المؤمنين حققت لهم ثمراتها العظيمة المتمثلة في الثواب الجزيل والأجر العظيم، وقد تحدث القرآن عن ذلك بتوسع وتأكيد فقال في سورة الأعراف: (فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) . وقال في سورة هود: (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) وقال في سورة آل عمران: (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) . وقال في سورة الزمر: (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ) . وقال فيها أيضا: (وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) . ولعل أوسع الآيات وعدا للمتقين قول القرآن في سورة الطلاق: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) .

وينبغي أن نشير إلى أن كثيرا من الناس يظنون أن التقوى معناها مقصور على الانكسار والذل والمسكنة والانطواء، وقد فهمنا من سابق القول أن هذا الوهم لا نصيب له من الصحة، فالتقوى حصانة وصيانة، والتقوى رعاية

ووقاية، والتقوى قوة وفتوة، والتقوى بر وخير، والتقوى إحسان وإتقان، والتقوى وفاء وصبر.

وكيف يظن ظان بالتقوى ذلك والقرآن يعلّمنا أن التقوى إنما تكون لله وحده، لأن الله تعالى يقول: (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) اي اتقوني وحدي دون غيري، فالخوف إذن لا يكون إلا لله وحده، وهذا خلق يورث العزة، فما دمت لا تخاف إلا الله، ولا تتقي سواه، فأنت اذن لن تخاف من عداه، وهذا كمال العزة، ولذلك قال القرآن: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت