وقد يخيل إلى بعض الناس في فهمهم لمعنى الحمد أنه مقصور على ترديد كلمة «الحمد» وما تصرف من مادتها باللسان فقط، ولكن الحمد عند فقهاء الأخلاق، وفي مجال الحديث عن أخلاق القرآن هو أن يدرك الإنسان مكانة النعمة، فيستريح إليها، ويعرف لها حقها، فيقدرها قدرها، ويشعر في قلبه وعقله بالفضل فيها، ويترجم عن هذا بلسانه مثنيا، وبأعماله عابدا طائعا، ولذلك يقول الرازي: «الحمد عبارة عن صفة القلب، وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلا منعما، مستحقا للتعظيم والإجلال؛ فإذا تلفظ الإنسان بقوله: أحمد الله، مع أنه كان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذبا، لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامدا، مع أنه ليس كذلك» . بل كأن الرازي يرى أن الإنسان إذا لم يحقق الشعور بالحمد في نفسه كان كالحيوان غير المكلّف، فيقول فيما يقول: «وما لم يحصل شعور الإنسان بوصول النعمة إليه امتنع تكليفه بالحمد والشكر» . ويضيف: «حمد المنعم عبارة عن كل فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما، وذلك الفعل إما أن يكون فعل القلب، أو فعل اللسان، أو فعل الجوارح. أما فعل القلب فهو أن يعتقد فيه كونه موصوفا بصفات الكمال والإجلال، وأما فعل اللسان فهو أن يذكر ألفاظا دالة على كونه موصوفا بصفات الكمال، وأما فعل الجوارح فهو أن يأتي بأفعال دالة على كون
ذلك المنعم موصوفا بصفات الكمال والإجلال».
ومن السهل علينا بعد ذلك أن ندرك أن فضيلة الحمد صفة نفسية قلبية عقلية، تظهر آثارها على اللسان أو الجوارح بالأقوال والأعمال، وإذا كان من طبيعة الفضيلة الأخلاقية أن تستقر وتستمر وتدوم، فإن فضيلة الحمد إذا تحققت في الإنسان كان لها هذا الاستمرار والاستقرار. لأن نعم الله تعالى كثيرة موصولة، لا يستطيع عقل الإنسان أن يحيط بها: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» والإنسان منا إذا حمد ربه جل جلاله، فإنما يحمده بتوفيق من الله وإعانة، وهذا التوفيق والإعانة نعمتان من الله تستحقان أيضا الحمد، فكأن الإنسان لا يستطيع القيام بشكر ربه إلا عن طريق نعمة أخرى، وهذه النعمة الأخرى تستحق الحمد، وهكذا تتوالى النعم فيستمر الحمد.