والإنسان المتحلي بفضيلة الحمد لا يحمد ربّه على النعم التي تصله فقط، بل هو يحمد الله تعالى لأنه المنعم، سواء أكان إنعامه عليه أم على سواه، فالحمد فيه معنى التقدير للنعمة، سواء أكانت هذه النعمة قد وصلت الحامد نفسه أو وصلت غيره، ونعم الله موصولة عامة شاملة لهذا وذاك وذلك، وهي من قديم كانت، وفي الحاضر تكون، وفي المستقبل ستكون، ولذلك عاد الرازي يقول: «الحمد لله له تعلق بالماضي، وتعلق بالمستقبل، أما تعلقه بالماضي فهو أنه يقع شكرا على النعم المتقدمة، وأما تعلقه بالمستقبل فهو أنه يوجب تجدد النعم في الزمان المستقبل، لقوله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) . والعقل أيضا يدل عليه، وهو أن النعم السابقة توجب الإقدام على الخدمة والقيام بالطاعة، ثم إذا اشتغل بالشكر انفتحت على العقل والقلب أبواب نعم الله تعالى وأبواب معرفته ومحبته، وذلك من أعظم النعم، فلهذا كان الحمد بسبب تعلقه بالماضي يغلق عنك أبواب النيران، وبسبب تعلقه بالمستقبل يفتح لك أبواب الجنان؛
فتأثيره في الماضي سدّ أبواب الحجاب عن الله تعالى، وتأثيره في المستقبل فتح أبواب معرفة الله تعالى.
ولما كان لا نهاية لدرجات جلال الله، فكذلك لا نهاية للعبد في معارج معرفة الله، ولا مفتاح لها إلا قولنا: الحمد لله».
وقد يزكي هذا ما روي من أن أول كلمة نطق بها آدم أبو البشر هي: «الحمد لله رب العالمين» وأن هذه الكلمة هي آخر كلمة يذكرها أهل الجنة بدليل قول الله تعالى عنهم: (دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) .