ولقد كان السلف الصالح يعد «التدبر» فضيلة تزين أحرار الرجال وخيار الأبطال، لما في التدبر من عمق النظر في عواقب الأمور، ولذلك قال الإمام علي في عبد الله بن عباس: «إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق» . وكثر قول حكماء العرب في مدح الذين يتدبرون وينفذون بأبصارهم وبصائرهم في طيات الأمور ونتائج الاحداث، فهذا أحدهم يمدح ذكيا متدبرا، فيقول فيه:
عليم بأعقاب الأمور برأيه ... كأن له في اليوم عينا على الغد
وهذا ثان يقول:
بصير بأعقاب الأمور، كأنما ... تخاطبه من كلّ أمر عواقبه
وهذا ثالث يقول:
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يرى بصواب الرأي ما هو واقع
وكان أسلافنا يحثون على المبادرة إلى التدبر في الوقت المناسب، قبل فوات الأوان، ولذلك يقول أكثم بن صيفي: «لا تتدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها» . والمتدبر الذكي الألمعي هو الذي يتطلع اولا إلى الماضي يدرسه
ويستخلص منه العبرة، ثم يدرس الحاضر بماله وما عليه، ثم يتطلع ببصيرته إلى الغد ليستدل بالحاضر على المقبل، كما انتفع بعبرة الماضي في الحاضر، ولذلك قال حكماؤنا: «كفى بالدهر مخبرا بما مضى عما بقي» .
إن المؤمن إذا صدق في تدبره يصير يقظا في تفكيره وتعبيره، وفي قوله وعمله، وفي صلاته الفردية والعامة، فهو يضيء صدره بنور الفكرة، ويعمر قلبه بوازع العبرة، ويقدّر لرجله قبل الخطو موضعها، ويجعل لسانه وراء عقله، فلا يلفظ اللفظة إلا بعد أن يزنها بميزان هذا العقل، لأن الحكيم يقول: «الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإذا تكلم بها عاد أسيرا في وثاقها» . وخير الناس من كان التدبر له خلقا في اقواله واعماله، متخذا له شعارا مثل قول القائل الحكيم:
إذ شئت أن تحيا عزيزا مسلّما ... فدبّر وميّز ما تقول وتفعل
اللهم هبنا صواب الفكرة وصدق العبرة، واجعلنا من المتدبرين أولي الألباب.