ولو تتبعنا المواضع التي جاء فيها ذكر التفكر في القرآن الكريم، لوجدنا أن هذا الذكر يأتي غالبا بعد الحديث عن أمر أو مشهد يثير في النفس معنى من معاني الاعجاب بالخير والفضيلة والميل إليهما، أو معنى من معاني النفور من الشر والرذيلة والضيق بهما، أو هكذا ينبغي ان يكون لدى الإنسان القويم، وهذا يؤكد لنا المعنى الأخلاقي القرآني لفضيلة التفكر، وهو النظر على وجه الاتعاظ والاعتبار، فالإنسان يتفكر في أمر المعاصي وأمر الطاعات، أو يتفكر في الصفات المهلكة والصفات المنجية، فيتبين حينئذ - أو هكذا ينبغي له أن يتبين - أهو متلبس بمعصية فينتهي عنها، أم هو سائر في طاعة فيزداد منها؟.
وكذلك يتفكر الإنسان في الفرائض والواجبات: أهو يؤديها أم يقصّر فيها؟. ويتفكر في الصفات المهلكة: أهو متلطخ بشيء منها؟. ويتفكر في الصفات الجميلة: ما الذي يحتاج إليه منها؛ وهكذا.
ولقد عرض الإمام الغزالي في حديثه الممتع الواسع عن التفكر نموذجا للتفكر
في الطاعات فقال عن الإنسان المتفكر: «فينظر أولا في الفرائض المكتوبة عليه أنه كيف يؤديها، وكيف يحرسها عن النقصان والتقصير، أو كيف يجبر نقصانها بكثرة النوافل، ثم يرجع إلى عضو عضو، فيتفكر في الأفعال التي تتعلق بها مما يحبه الله تعالى، فيقول مثلا: إن العين خلقت للنظر في ملكوت السموات والأرض عبرة، ولتستعمل في طاعة الله تعالى، وتنظر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنا قادر على ان اشغل العين بمطالعة القرآن والسنة، فلم لا أفعله؟ وأنا قادر على ان انظر إلى فلان المطيع بعين التعظيم فأدخل السرور على قلبه، وأنظر إلى فلان الفاسق بعين الازدراء فأزجره بذلك عن معصيته، فلم لا أفعله؟
وكذلك يقول في سمعه: إني قادر على استماع كلام ملهوف، أو استماع حكمة وعلم، أو استماع قراءة وذكر، فما لي أعطّله وقد أنعم الله عليّ به، وأودعنيه لأشكره، فما لي أكفر نعمة الله فيه بتضييعه وتعطيله؟.
وكذلك يتفكر في اللسان، ويقول: إني قادر على أن أتقرب إلى الله تعالى بالتعليم والوعظ والتودد إلى قلوب اهل الصلاح، وبالسؤال عن أحوال الفقراء، وإدخال السرور على زيد الصالح، وعمرو العالم، بكلمة طيبة، وكل كلمة طيبة فإنها صدقة؟