وكذلك يتفكر في ماله، فيقول: أنا قادر على أن أتصدق بالمال الفلاني، فإني مستغن عنه. ومهما احتجت إليه رزقني الله تعالى مثله، وإن كنت محتاجا الآن فأنا إلى ثواب الإيثار أحوج مني إلى ذلك المال.
وهكذا يفتش عن جميع اعضائه وجملة بدنه وامواله، بل عن دوابه وغلمانه وأولاده، فإن كل ذلك ادواته وأسبابه، ويقدر على ان يطيع الله تعالى بها، فيستنبط بدقيق الفكر وجوه الطاعات الممكنة بها، ويتفكر فيما يرغبه في البدار إلى تلك الطاعات، ويتفكر في إخلاص النية فيها، ويطلب لها مظانّ الاستحقاق حتى يزكو بها عمله، وقس على هذا سائر الطاعات».
والتفكر ليس خبط عشواء، ولا اضطراب عمياء، ولا شرود عجماء،
وإنما للتفكر حدوده وقيوده، ولعل مما يشير إلى ذلك الحديث القائل: «تفكروا في خلق الله، ولا تتفكروا في الله، فإنكم لن تقدروا قدره» . وكذلك روي: «تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله» . وقد جاء في السنة ايضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على قوم ذات يوم وهم يتفكرون، فقال لهم: ما لكم لا تتكلمون؟ فقالوا: نتفكر في خلق الله عز وجل. فقال: «كذلك فافعلوا وتفكروا في خلقه، ولا تتفكروا فيه» .
وكذلك ليس من التفكر الأخلاقي الإسلامي أن يتفكر الإنسان في طرق الوصول إلى الشهوات والملذات، ولا في وسائل العدوان على الأنفس أو الأعراض أو الأموال أو غير ذلك من حرمات الناس، وليس من التفكر الإسلامي القرآني أن يستجيب الإنسان لدواعي الحسد ونزعات الحقد والبغضاء، أو غير ذلك مما يجعله فريسة لخبيث المشاعر وسيء النوايا.
ولقد أشاد السابقون من علماء الأمة وبصرائها بمنزلة التفكر السليم القويم، فذكر حجة الإسلام الغزالي أن الفكر هو مصباح الأنوار، ومبدأ الاستبصار، وشبكة العلوم، ومصيدة المعارف والفهوم، وقال خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز: «الفكرة في نعم الله عز وجل من أفضل العبادة» . وقال الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.