فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 1257

وثمرة التفكر ثمرة يانعة ممتعة، نامية سامية، فمن وراء التفكر يكون التعقل والارتداع عن كل ما يقبح ويسوء، والإقبال على كل ما هو جميل ومقبول، ومن وراء التفكر يكون الادراك الواعي البصير لجلال الله وعظمته، وكثرة نعمه وآلائه، ومن وراء التفكر يكون الاعتزاز بالله وحده والذل لوجهه سبحانه والترفع عن الهوان مع غيره، ومن وراء التفكر تكون الطاعة والاجتهاد في العبادة والازدياد من القربات، ومن وراء التفكر يكون إحياء الجوانب

الفاضلة المشرقة في ذات الإنسان، ويكون إزهاق النوازع الخبيثة الرديئة، ولذلك يقول بشر: «لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوا الله عز وجل» .

ويرى الإمام الغزالي ان من ثمرات التفكر تكثير العلم وتوسيع المعرفة، والمعارف إذا اجتمعت لدى الإنسان وترتبت أثمرت معرفة اخرى، لأن المعرفة انتاج المعرفة، فإذا حصلت معرفة جديدة أدت إلى معرفة اخرى، وهكذا يمتد النتاج، ويمضي الفكر إلى غاية بعيدة. وما اجمل الشافعي في تصويره لثمرة التفكر بقوله: «صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور، والعزم في الرأي سلامة من التفريط والندم، والروية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة، ومشاورة الحكماء ثبات في النفس وقوة في البصيرة ففكّر قبل ان تعزم، وتدبّر قبل ان تهجم، وشاور قبل تقدم» .

وإذا كان التفكر بهذه المنزلة، وثمرته بتلك المكانة فالمصيبة كبيرة حين يحرم الإنسان فضيلة التفكر، ولقد روي أن الحسن قرأ قوله تعالى في سورة الأعراف: (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ) . ثم ذكر الحسن ان معنى «الصّرف» هنا هو ان الله جل جلاله يمنع هؤلاء الأشقياء التفكر في امر الله عز وجل.

ولقد يسأل سائل عن طريق التفكر، والجواب أن التفكر يتحقق أولا على وجهه الكامل بنور إلهي في القلب يحصل بالفطرة، وقد يتحقق التفكر بالمحاولة والتعلم والممارسة، فيحمل الإنسان نفسه على ان تتفكر وتتدبر، ويكرر ذلك فإذا التكرار يورثه عادة، وإذا العادة تعمّق جذورها فكأنها طبيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت