فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 1257

ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا، وأنت من الرشاد عديم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم

أو قيل له:

ما أقبح التزهيد من واعظ ... يزهّد الناس ولا يزهد

لو كان في تزهيده صادقا ... أضحى وأمسى بيته المسجد

والرزق مقسوم على من ترى ... يسعى له الأبيض والأسود

ولقد تحدث الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) فكان مما قاله هذه العبارة:

«أما قوله: أفلا تعقلون، فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم، ونظيره قوله تعالى: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) .

وسبب التعجب وجوه: الأول أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن

المنكر إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة، وتحذيره عما يوقعه في المفسدة، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير، وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل مناقض لا يقبله العقل، فلهذا قال: أفلا تعقلون.

الثاني: أن من وعظ الناس، وأظهر علمه للخلق، ثم لم يتعظ، صار ذلك الوعظ سببا لرغبة الناس في المعصية، لأن الناس يقولون: إنه مع هذا العلم، لو لا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات، وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعيا لهم إلى التهاون بالدين، والجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية، ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء، فلهذا قال: أفلا تعقلون.

الثالث: أن من وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذا في القلوب والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثرا في القلوب، فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء، ولذلك قال علي: قضم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك».

نسأل الله جل جلاله أن يجعلنا من أهل البر في القول والعمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت