وإذا كان القرآن المجيد قد طالب المسلم بأن يكون بارا بالمسلمين، فإنه وجهه إلى البر مع غير المسلمين ما داموا عادلين، فقال: (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) . وجاء في الحديث: «تصدقوا على أهل الأديان كلها» .
ثم يعمم القرآن الدعوة إلى المشاركة في إشاعة البر بين أرجاء المجتمع، فيقول: «وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ، وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» .
وقد قرر كتاب الله ثواب أهل البر وسمو مكانتهم في أكثر من آية، ففي سورة آل عمران جاء: (وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) . وفي سورة الإنسان: (إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا) . وفي سورة المطففين: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) . وفي سورة الانفطار: (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ) .
ومن لطائف البر في منطق الإسلام أن الإنسان لا يكون بارا إلا إذا كان صادقا، ولذلك فسروا البر بالصدق، وتقول لغة العرب: برّ فلان في يمينه، أي صدق فيها، وبرّ فلان بوعده إذا وفاه، وبرّ فلان بكلامه، إذا صدّقه بالعمل، ويقال: حجة مبرورة، أي مقبولة قبول العمل الصادق.
والقرآن يقول مبكتا الكذبة من بني إسرائيل: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) . ويقول الرسول صلوات
الله وسلامه عليه: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وان البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند الله صدّيقا» .
وتقص علينا قصة الإسراء والمعراج أن الرسول صلى الله عليه وسلم مرّ في طريقه على قوم تقطع شفاههم بمقاريض من نار، فسأل النبي، من هؤلاء يا جبريل؟. فأجاب: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون.
فالواجب على المسلم أن يحقق البر في نفسه قبل أن يطالب غيره بأن يكون بارا، وإلا قيل له:
يا أيها الرجل المعلّم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم؟
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم