ويمكن أن نقول بتعبير آخر إن هناك إنابة حقيقية صادقة، يستجيب صاحبها ويلتزم ويستقيم، وهناك إنابة ظاهرية قائمة على الكذب والغدر، وهي الإنابة الشكلية التي يلتزم بها لئيم الطبع، فإذا وجد نفسه في ضيق أو شدة لجأ إلى ربه، لعلمه بالفطرة أنه الخالق الرازق المعين، فإذا بلغ اللئيم مأربه ونال مطلبه، انقلب على وجهه فكان من الخاسرين، وقد أشار القرآن إلى هذا أيضا في سورة الزمر فقال: (وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) (1) وهذا الصنف اللئيم يذكرنا بمن قيل فيه:
صلّى وصام لأمر كان يطلبه ... فلما انقضى الأمر لا صلّى ولا صاما
وكأن القرآن الكريم قد أشار إلى أهل الانابتين: الصادقة والكاذبة بقوله في سورة لقمان: (وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) . والختار هو الغدار الجحود.
ويقول مشيرا إلى أهل الإنابة الكاذبة في سورة يونس: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ
(1) خوله نعمة: أعطاه نعمة. وأندادا: أمثالا يعبدها من دون الله تعالى.