ما استحفظوا عليه من كتاب الله، ولا عذر لهم في ترك استبانة الطريق الموصل إلى ذلك بسهولة وقرب».
وقد تحدث الإمام ابن تيمية طويلا عن الأمانة عند الأئمة والحكام في كتابه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» فذكر أولا أنه يجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين، أصلح من يجده لذلك العمل، لأن الحديث يقول: «من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولّى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله» . ولأن عمر قال: «من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين» ويقرر ابن تيمية ان الأمانة في هذا المجال واجبة على ولي الأمر، فيقول: «فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات، من نوابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان، والقضاة، ومن أمراء الاجناد ومقدمي العساكر الصغار والكبار، وولاة الاموال من الوزراء والكتاب والشادين (أي الجامعين) والسعاة على الخراج والصدقات، وغير ذلك من الاموال التي للمسلمين.
وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين والمعلمين وأمير الحاج والبرد (جمع بريد، وهم الذين ينقلون الرسائل) والعيون الذين هم القصاد، وخزان الاموال، وحراس الحصون، والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن، ونقباء العساكر الكبار والصغار. وعرفاء القبائل والأسواق ورؤساء القرى الذين هم الدهاقين».
وبعد أن يبين خطر الخيانة يقول: «ثم ان المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه يثيبه الله، فيحفظه في أهله وماله، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده، فيذل أهله، ويذهب ماله» .
وإذا كان القرآن المجيد قد عني بتزكية الأمانة والتنويه بفضلها كمكرمة من مكارم الأخلاق الإسلامية، فقد حمل على نقيضها وهي الخيانة حملة صادقة، ونفر منها تنفيرا بليغا، فقال في سورة النساء: (ولا تكن للخائنين خصيما) (1) أي مخاصما مدافعا عنهم ثم قال: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ان الله لا يحب من كان خوانا أثيما) (2) . ويقول في سورة الأنفال: (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) (3) وقال في سورة الحج: (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (4) . ويقول في سورة يوسف: (وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ) (5) .
ونستطيع أن نستخلص عبرة دقيقة عميقة حين نتذكر أنه بسبب الخيانة وفقدان الأمانة قذف الله جل جلاله بامرأتين من نساء الأنبياء والمرسلين في النار، فالله تعالى يقول في سورة التحريم: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ، كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ، فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (6) .
(1) سورة النساء، الآية 105.
(2) سورة النساء، الآية 107.
(3) سورة الأنفال، الاية 58.
(4) سورة الحج، الآية 38.
(5) سورة يوسف، الآية 52.
(6) سورة التحريم، الآيتان 9 و 10.