فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 1257

وهكذا نجد التنزيل الإلهي كأنه يريد لنا أن نفهم أن «التوبة» سمة اساسية من سمات الأخيار المؤمنين بالله منذ أقدم العصور.

وليست التوبة كلمة تقال، أو عبارة تردد، ولكنها تتحقق بعدة أمور: منها أن يشعر الإنسان بالندم على ارتكاب الخطأ أو الذنب، ومن هنا جاء في الحديث: «الندم توبة» . وان يترك المعصية ويبتعد عنها، وان يعزم على عدم الرجوع إليها، وان ينتقل من مجال الخطأ إلى حقل العمل الصالح، حتى يكون بعد التوبة أفضل مما كان عليه قبلها، والا ينوي الاصرار على أي ذنب مهما كان صغيرا، لأن الله تبارك وتعالى يقول في سورة آل عمران: (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (1) .

ومن شروط التوبة الخروج من عهدة حق الآدمي، اما باعادة التائب هذا الحق إلى صاحبه، إذا كانت هناك قدرة على الاعادة، واما باستحلال صاحب الحق بعد اعلامه به، والحديث يقول: «من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض، فليتحلله اليوم قبل ان لا يكون دينار ولا درهم، إلا الحسنات والسيئات» . والراجح عند العلماء أنه لا يشترط على التائب أن يذكر كل شيء لصاحب الحق، بل يكفي التعميم، وقد بحثوا - فيما بحثوا - موضوع التوبة من الغيبة والقذف: هل يشترط ان يذهب التائب إلى من اغتابه أو قذفه، ويذكر له ذلك ليستسمحه؟. واختلفوا في ذلك، والإمام ابن تيمية يرجح عدم الذكر، وهذا تلميذه ابن القيم يقول في ذلك - بعد أن ذكر رأي من يرى

(1) سورة آل عمران، الآية 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت