فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 1257

الاخبار ـ: «والقول الآخر أنه لا يشترط الاعلام بما نال من عرضه وقذفه واغنيابه، بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وقذفه بذكر عفته واحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه، وهذا اختيار شيخنا ابي العباس ابن تيمية قدس الله روحه.

واحتج أصحاب هذه المقالة بأن اعلامه مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة، فإنه لا يزيده إلا أذى وحنقا وغما، وقد كان مستريحا قبل سماعه، فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله، وأورثه ضررا في نفسه أو بدنه، كما قال الشاعر:

فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وان الذي قالوا وراءك لم يقل

وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه، فضلا عن أن يوجبه ويأمر به.

قالوا: وربما كان اعلامه به سببا للعداوة والحرب بينه وبين القائل، فلا يصفو له ابدا، ويورثه علمه به عداوة وبغضاء مولدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف، وهذا ضد. مقصود الشارع من تأليف القلوب والتراحم والتعاطف والتحابب.

قالوا: والفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الابدان من وجهين: أحدهما أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه، فلا يجوز اخفاؤها عنه، فإنه محض حقه، فيجب عليه أداؤه إليه، بخلاف الغيبة والقذف، فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه، إلا اضراره وتهييجه فقط، فقياس أحدهما على الاخر من أفسد القياس.

والثاني انه إذا أعلمه بها لم تؤذه ولم تهج منه غضبا ولا عداوة،

بل ربما سره ذلك وفرح به، بخلاف اعلامه بما مزق به عرضه طول عمره ليلا ونهارا من أنواع القذف والغيبة والهجو، فاعتبار أحدهما بالآخر اعتبار فاسد، وهذا هو الصحيح في القولين كما رأيت، والله أعلم».

وقد أوجز الاصفهاني الشروط التي يلزم توافرها في صحة التوبة، فذكر أنها ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه ان يتدارك من الأعمال بالاعادة، فمتى اجتمعت هذه الاربع فقد كملت شروط التوبة في الشرع، ويبدو أن هذا هو المراد من «التوبة النصوح» التي ذكرها القرآن الكريم في سورة التحريم حيث قال: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون ربنا أتمم) [1] .

وكلمة «النصوح» مأخوذة من مادة «النصح» التي تفيد معنى خلاص الشيء من الغش والشوائب الغريبة، وذلك لأن التوبة النصوح إنما تتم بتخليصها من كل غش ونقص وفساد، وبتحقيقها على أكمل الوجوه، بأن تكون شاملة لكل الذنوب صغيرها وكبيرها، فلا يتوب من ذنب ويترك ذنبا آخر، وأن يعزم عليها ويبادر إليها بإرادته دون تردد.

وان يجعلها خالصة لوجه الله سبحانه، لا لغرض ولا لمرض ولا لعلة.

وقد وردت كلمات بليغة في وصف هذه التوبة، فقال فيها عمر رضي الله عنه: «هي أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه، كما لا يعود

(1) سورة التحريم، الآية 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت