اللبن إلى الضرع». وقال الحسن البصري: «هي ان يكون العبد نادما على ما مضى، مجمعا على أن لا يعود فيه» . وقال الكلبي: «ان يستغفر باللسان، ويندم بالقلب، ويمسك بالبدن» . وقال محمد بن كعب القرظي: «يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والاقلاع بالابدان، واضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيء الاخوان» .
ولقد أطال الصوفية الحديث عن التوبة، وفصلوا القول في معانيها تفصيلا، وهي عند البصراء منهم أصل من أصولهم السبعة التي يكمل بها التصوف، وهي: التمسك بكتاب الله تعالى: والاقتداء بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، وأداء الحقوق، والتوبة. وبعضهم يرى أن عمق الندم على ارتكاب الإثم هو المنبع الذي ينبثق منه رحيق التوبة، ولذلك يقول ان شجرة التوبة تسقى بماء الندم، ويرى بعض آخر منهم أن عماد التوبة هو أن ترى جرأتك على الله تعالى بارتكاب الذنب، فتستعظم ذلك، وترى حلم الله عنك فلا تغتر به.
وهم يرون أن التوبة فرض، وأنها واجبة على جميع المذنبين وفي كل الذنوب، ولذلك يقول عمرو بن عثمان المكي: «التوبة فرض على جميع المذنبين والعاصين، صغر الذنب أو كبر، وليس لاحد عذر في ترك التوبة بعد ارتكاب المعصية، لأن المعاصي كلها قد توعد الله عليها أهلها، ولا يسقط عنهم الوعيد إلا بالتوبة، وهذا ما يبين ان التوبة فرض» .
وإذا كانت التوبة عند الصوفية مقامات - كما يشرح ذلك ابن القيم - فإن منها مقاما لا يعرفه إلا المحبون لله تعالى، الذين يستقلون
في حق محبوبهم جميع أعمالهم وأحوالهم واقوالهم، فلا يرونها قط إلا بعين النقص والازراء عليها، ويرون شأن محبوبهم أعظم، وقدره أعلى، وإذا غفلوا عن مراد محبوبهم منهم، ولم يوفوه حقه، تابوا من ذلك توبة أصحاب الكبائر، فالتوبة لا تفارقهم ابدا، وكلما ازدادوا حبا لله ازدادوا معرفة بحقه، وادراكا لتقصيرهم، ولذلك يكون خوفهم أشد.
والتوبة تجب على الفور عقب وقوع الذنب، ولذلك تتحتم المبادرة بها، ولا يباح تأخيرها، وكل تأخير للتوبة يعد استمرارا في الذنب والرضى به، ولذلك كان من المأثور قولهم: العجلة من الشيطان إلا في خمس: اطعام الطعام إذا حضر ضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب.