كما ان عدم الاستحياء ههنا لا يعني ضعفا أو هوانا، لأن من اعلام الأخلاقيين من اخبرنا بشعره ان الفتوة ثبات واطمئنان، وقوة عزيمة، فقال:
ان الفتوة ما ينفك صاحبها ... مقدما عند رب الناس والناس
ان الفتى من له الإيثار تحلية ... فحيث كان فمحمول على الراس
ما ان تزلزله الأهواء بقوتها ... لكونه ثابتا كالراسخ الراسي
لا حزن يحكمه، لا خوف يشغله ... عن المكارم حال الحرب والباس
وإذا كان العلماء قد فرقوا بين «الفتوة» و «المروءة» بان المروءة أعم من الفتوة، وان الفتوة نوع خاص من المروءة تعد مروءة، ولا تعد كل مروءة فتوة، فإن صاحب فضيلة الفتوة لا يصدق في تحليه بها الا
إذا عبر إليها ميدان المروءة الواسع، وهذا هو ابن القيم يقرر ان المروءة هي استعمال كل خلق حسن، واجتناب كل خلق قبيح، وحقيقتها تجنب الرذائل والدنايا من الاقوال والأخلاق والاعمال، فمروءة اللسان حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر، ومروءة المال الاصابة يبذله في مواقعه المحمودة عقلا وعرفا وشرعا، ومروءة الجاه أن يخدم به المحتاج إليه، ومروءة الإحسان تعجيله وتيسيره.
واما مروءة الترك فترك الخصام والمماراة، مع تغافل عن عثرات الناس، والتوقير للكبير، وحفظ حرمة النظير، ورعاية حق الصغير.
ويرى ابن القيم أيضا ان المروءة لها ثلاث درجات، فمروءة الإنسان مع نفسه ان يحملها على ما يزين، ويفصلها عما يشين، في سره وجهره، ومروءته مع الناس ان يحسن معاملتهم، ويتجنب معهم ما لا يحب ان يعاملوه به، ومروءته مع الله تعالى ان يستحيي من نظره إليه ومراقبته له. وفي ضوء هذا البيان يسهل علينا ان نعرف لماذا يقرر أهل التصوف أن الفتوة نتيجة وثمرة لحسن الخلق.
وهناك طائفة من الصوفية يتجه أهلها بالفتوة إلى معنى محاربة النفس ومخاصمتها، في سبيل إرضاء الله عز وجل، ولعل هذا هو معنى قول محمد بن علي الترمذي: «الفتوة ان تكون خصما لربك على نفسك» . حتى عبر بعضهم عن هذه النفس الامارة بالسوء بكلمة «الصنم» ، فقال ان الفتوة هي أن تكسر الصنم الذي بينك وبين ربك، وهو نفسك، ويذكر هذا البعض ان إبراهيم عليه السلام كان خليل الرحمن حين كسر الاصنام وجعلها جذاذا كما يقص القرآن الكريم، وكأن
هذا هو ما عناه بعضهم حين قال: ان الفتوة فضيلة تأتيها، ولا ترى نفسك فيها.