فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 1257

عنه، وانقباضك منه، وعند الانس إليه والثقة به تمكنه من مقاتلك». ورووا من كتب الهند: «الحازم يحذر عدوه على كل حال: يحذر المواثبة ان قرب، والمغاورة ان بعد، والكمين ان انكشف، والاستطراد ان ولى، والكرة ان فر» .

هذا ولقد جاء ذكر الحذر في السنة المطهرة، فروى أبو داود: «أحذركم زيغة الحكيم» أي ميله وجوره، وكأن هذا من قبيل: لكل جواد كبوة، وروى الترمذي: «ان الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم» . والحساس: شديد الحس والادراك والاستماع، واللحاس: كثير اللحس لما يصل إليه. وروى ابن ماجه واحمد: «ان الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال» والدجال في الأصل الكثير الخداع. وهذا يذكرنا بالحديث القائل: «يكون في آخر الزمان دجالون» أي كذابون مموهون، وقد روى مسلم وأحمد: «ان بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم» .

قد يقول قائل: وما جدوى الحذر وهناك حديث يقول: «لن ينفع حذر من قدر» ؟. وقد تعرض لهذه الشبهة «تفسير المنار» وذكر ما أورده الرازي من أحاديث فيها، مثل: «المقدور كائن، والهم فضل» . ومثل: «الحذر لا يغني من القدر» . وذكر تعليق الرازي الذي يقول: «ان صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع، فإنه يقال: إذا كان الإنسان من أهل السعادة في قضاء الله وقدره، فلا حاجة إلى الإيمان، وإن كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الإيمان والطاعة، فهذا يفضي إلى سقوط التكاليف بالكلية، والتحقيق في الجواب أنه لما كان الكل بقدر، كان الأمر بالحذر أيضا داخلا في القول، فكان قول القائل:(أي فائدة في

الحذر)كلاما متناقضا، لأنه لما كان الحذر مقدرا، فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر»؟.

ثم ذكر تفسير المنار أن المسلمين أمسوا أقل الناس حذرا من الاعداء، حتى ان أكثر بلادهم ذهبت من أيديهم، وهم لا يتوبون ولا يذكرون، ولا يتدبرون أمر الله في هذه الآية: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) وما في معناها ولا يمتثلون، ويحتجون بالقدر.

ثم قال صاحب المنار عن الحديث: «المقدور كائن، والهم فضل» انه لا يذكر أنه رآه في كتب المحدثين بهذا اللفظ، ولكن البيهقي روى مرفوعا: «لا تكثر همك، ما قدر يكن، وما ترزق يأتك» وهو حديث ضعيف، وأما الحديث الآخر: «الحذر لا يغني من القدر» فقد رواه الحاكم عن عائشة بلفظ: «لا يغني حذر من قدر» وصححه. ثم قال صاحب المنار: «وما أراه يصح، وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، والرازي ليس من رجال الحديث، ولكنه رأى بالعقل انه مخالف للآية، أو مضعف من تأثير الأمر فيها، وكيف يقول الله: (خُذُوا حِذْرَكُمْ) ، ويقول رسوله ان الحذر لا ينفع، لأن العبرة بالقدر الذي لا يتغير؟.

واني على استبعادي لصحة الحديث، وميلي إلى انه من وضع المفسدين الذين أفسدوا بأس الأمة بأمثال هذه الأحاديث - أقول انه لا يناقض الآية، فإن الله أمرنا بالحذر لندفع عنا شر الاعداء، ونحفظ حقيقتنا، لا لندفع القدر ونبطله، والقدر عبارة عن جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب على قدر المسببات، والحذر من جملة الأسباب، فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضاده».

والعرب لم يفتها الحديث عن الحذر والإشارة إلى قيمته، فكان من دعائهم قولهم: «وقاك الله كل مكروه محذور» . وضربوا الامثال في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت