فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 1257

حدثنا القرآن - إذا شربوا من خمر الجنة لم تتغير عقولهم، ولم يتكلموا بلغو، بخلاف أهل الدنيا، ولا يكذب بعضهم بعضا، ولا يسمعون كذبا.

وكذلك يقول في سورة الغاشية: (لا تسمع فيها لاغية) (1) أي لغوا، فجعل اسم الفاعل وصفا للكلام، واللاغية هنا يراد بها الكلام الساقط غير المرضي، فلا يسمعون فيها كذبا ولا اثما ولا شتما ولا معصية ولا حلفا بيمين برة أو فاجرة، لأن أهل الجنة لا يتكلمون إلا بالحكمة، وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم.

ويقول الإمام محمد عبده في تفسير هذه الآية: «وإنما عجل بهذا الوصف الشريف عقب ذكر الجنة قبل ذكر بقية أنواع النعيم، لدفع ما يسبق إلى الاذهان عند ذكر الجنة ونعيمها، من أحوال أهل الترف والمولعين بالشهوات، من تمضية الاوقات في اللهو، والقول اللغو، وإطلاق الالسن عن قيد الأدب، فيجعلون من متممات النعيم قذائف الهجر والفحش.

فقد سارع إلى تنزيه نعيم أهل الجنة عما هو من لوازم نعيم غيرهم في الدنيا، وفي ذلك تنبيه للمؤمنين إلى أنه لا يليق بهم أن يكونوا من أهل اللغو، مهما فاض عليهم النعيم، واتسعت لهم النعمة، بل ذلك مما ينزهون عنه حتى إذا رفعت عنهم التكاليف، ووصلوا إلى فضاء الرحمة الذي لا سخط فيه ولا نقمة، فنعيمهم ينبغي أن يكون نعيم أهل الفضل والجد، لا نعيم أهل الجهل والحمق.

فاعتبر بهذه الحكمة، ثم انظر كيف قدم من الاوصاف للجنة وضروب نعيمها ما هو روحاني، يليق بأرباب النفوس العالية، والمقامات الرفيعة

(1) سورة الغاشية، الآية 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت