وربما تخيل بعض الناس أن تحقيق العدل أمر ميسور خفيف، وهذا بعيد عن الحقيقة والواقع، والسيد محمد رشيد رضا يقرر أن العدل من المعاني الدقيقة التي يشتبه الحدّ الأوسط منها بما يقاربه من طرفي الإفراط والتفريط، ولا يسهل الوقوف على حدّه والإحاطة بجزئياته، ولا سيما الجزئيات المتعلقة بوجدانات النفس، كالحب والكره، وما يترتب عليهما من الأعمال، وهذا هو سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسّلام. كان يبذل غاية جهده ليحقق العدل اللائق به بين زوجاته، في كل ما يتعلق بأمور المعيشة والحياة، ولكنه كان بعد ذلك يناجي ربّه عز وجل ويقول له: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فاغفر ما تملك ولا أملك» . وهو يقصد بذلك ميل القلب الذي لا يستطيع المرء أن يتحكم فيه، لأن الإنسان لا يستطيع أن يتحكم في حبه أو بغضه، ولذلك كان من دعوات الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك» . وجاء في الحديث: «القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبهما كيف يشاء» . وهذا يذكّرنا بقول الله تعالى في سورة الأنفال: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ، هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .
والعدل كما يكون في الأمور المادية التي يسهل ضبطها وتحديدها، يكون في الأمور العقلية والمعنوية التي يدقّ وزنها، ويحتاج ضبطها إلى معاناة ومشقة؛ وهذا مثلا الإمام الرازي يقول إن من العدل المطلوب عدل العلماء مع العوام، بأن لا يحملوهم على التعصب الباطل، بل يرشدونهم إلى الأعمال التي تنفعهم في
دنياهم وأخراهم؛ وهذا العدل المعنوي الذي يشير إليه يتطلب من العلماء أن يتعرفوا إلى الحاجات العقلية والنفسية والدينية التي يحتاج إليها هؤلاء العوام، ليستقيم أمرهم ويعتدل حالهم، فلا يقدّموا إليهم إلا ما يزيدهم توفيقا ورشدا في أمور دينهم ودنياهم.
ويرى الإمام الغزالي أن قوة العدل الحقيقي هي ضبط الشهوة والغضب، وإخضاعهما تحت إشارة العقل والشرع، وهو يرى أن العدل حالة للنفس، وقوة بها تسوس الغضب والشهوة، وتحملهما على مقتضى الحكمة، وتضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها.