وهذا الفيض من الكلمات يمكن ان يكون موضوع بحث فسيح خاص لا يتسع له نطاق هذا المجال، ولكن لا يفوتنا هنا أن نتذكر ان الصوفية لهم طريقتهم الخاصة بهم في الحديث عن المسابقة إلى الخيرات، فالقشيري مثلا يقول: «الناس في المسارعة على أقسام: فالعابدون يسارعون بقدمهم في الطاعات، والعارفون يسارعون بهممهم في القربات،
والعاصون يسارعون بندمهم بتجرع الحسرات، فمن سارع بقدمه وجد مثوبته، ومن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته». ويعود ليحدثنا عن أنواع السابقين المسارعين، فيقول: «مسارع بقدمه من حيث الطاعات، ومسارع بهممه من حيث الموأصلات، ومسارع بندمه من حيث تجرع الحسرات، والكل مصيب، وللكل من إقباله - على ما يليق بحاله - نصيب» .
قد يقال: ألا تتعارض فضيلة المسارعة والمسابقة مع الحديث القائل: «العجلة من الشيطان» ؟. ويجيب النيسابوري بأن الأمور متفاوتة، فمنها ما يحمد فيه التأخير، لكونه مما يحصل على مهل وتدريج، فلو طلب منه خلاف وضعه فات الغرض وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة، فيحتاج إلى مزيد تدبر وتأمل.
ومنها ما يحمد فيه التعجيل والسرعة، فيجب أن تنتهز فيه الفرصة وتغتنم، فإن الفرص تمر مر السحاب، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» .
وإذا كانت مسابقة المؤمن مشروطة بأن تكون إلى الخيرات وفي سبيل القربات، فإن اتباع الشيطان قد يتسابقون ويتنافسون، ولكن في الآثام والكفران، وهؤلاء لهم الويل والثبور عند الله جل جلاله، والقرآن الكريم يقول في سورة آل عمران: (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ