هذا ومما ينبغي أن نتذكره أن بعض الجاهلين زعم أن كلمة «الحنيفية» عند العرب قديما كانت تطلق على الشرك، وقد تكفل بالرد على هذا الجهل الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، حين تعرض لتفسير قوله تعالى في سورة البقرة: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (1) فذكر أن الحنيف هو المائل، وأطلق على الخليل إبراهيم، لأن الناس في عصره كانوا على طريقة واحدة وهي الكفر، فخالفهم كلهم، وتنكب طريقتهم. ثم قال:
«قال بعض المشتغلين بالعربية من الافرنج: ان الحنيفية هي ما كان عليه العرب من الشرك، فاحتجوا على ذلك بقول بعض النصارى في زمن الجاهلية: (ان فعلت هذا أكون حنيفيا) . وانها لفلسفة جاءت من الجهل باللغة. وقد ناظرت بعض الافرنج في هذا، فلم يجد ما يحتج به إلا عبارة ذلك النصراني، وهو الآن يجمع كل ما نقل عن العرب من هذه المادة، لينظر كيف كانوا يستعملونها، ولا دليل في كلمة النصراني العربي، على أن الكلمة تدل لغة على الشرك، وإنما مراده بكلمته البراءة من دين العرب مطلقا، ذلك ان بعض العرب كانوا يسمون أنفسهم الحنفاء، أيضا.
والسبب في التسمية والدعوى أن سلفهم كانوا على ملة إبراهيم حقيقة، ثم طرأت عليهم الوثنية، فأخذتهم عن عقيدتهم، وأنستهم أحكام
(1) سورة البقرة، الآية 135.