أيها المريد، وارغب في ثواب الله تعالى، وإنما هو أن ترجع إلى نفسك الخبيثة فتذيبها بالطاعة، وتفارقها وتميتها بالمخالفة، وتذبحها باليأس فيما سوى الله، وتقتلها بالحياء من الله عز وجل، ويكون حسبك. وتسارع في جميع الخيرات، وتعمل في جميع المقامات، وقلبك وجل أن لا يقبل منك، فهنا حقائق القبول والإخلاص والصدق، حتى تتخلص وتصير إلى الله تعالى، والله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد».
وهؤلاء الاسلاف الأخيار الاطهار قد ضربوا نماذج رائعة في لوم النفس، حتى رسم بعض شعراء الإسلام صورة لواحد من هؤلاء اللوامين، فقال عنه:
نحيل الجسم مكتئب الفؤاد ... تراه بقمة أو بطن وادي
ينوح على معاص سابقات ... يكدر ثقلها صفو الرقاد
فإن هاجت مخاوفه وزادت ... فدعوته: أغثني يا عمادي
فأنت بما ألاقيه عليم ... كثير الصفح عن زلل العباد
وينبغي ان نتذكر أن من ثمرات لوم النفس أن الوصول إلى مكانة الرضا والطمأنينة يكون عن طريق هذه الفضيلة - فضيلة لوم النفس - ولذلك يقول حجة الإسلام: «اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء، ميالة إلى الشر، فرارة من الخير، وأمرت بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها،
ومنعها عن شهواتها، وفطامها عن لذاتها، فإن أهملتها جمحت وشردت، ولم تظفر بها بعد ذلك.
وان لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والعذل والملامة، كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها، ورجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية (1) ، فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها، ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولا بوعظ نفسك، فقد أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: يا ابن مريم، عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، والا فاستح مني (2) .
وينبغي أن نعرف أيضا أن لوم النفس يدفع إلى حسن العاقبة، ويفضي إلى جميل الخاتمة، وهذا عبد الله بن قيس يحدثنا بأنه شهد إحدى الغزوات، وقد بدأ القتال، فإذا رجل يخاطب نفسه فيقول لها: أي نفسي، ألم أشهد مشهد كذا وكذا، فقلت لي: أهلك وعيالك، فأطعتك ورجعت؟
ألم أشهد كذا وكذا، فقلت لي: أهلك وعيالك، فأطعتك ورجعت؟.
والله لأعرضنك اليوم على الله، أخذك أو تركك ...