فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 1257

وصار يوما، فكيف وجدته؟. أما علمت أن الغد الذي جاء وصار يوما كان له حكم الأمس، لا بل تعجزين عنه اليوم، فأنت غدا عنه اعجز وأعجز، لأن الشهوة كالشجرة الراسخة التي تعبّد العبد (1) بقلعها، فإذا عجز العبد عن قلعها للضعف وأخرها، كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شاب قوي، فأخرها إلى سنة أخرى، مع العلم بأن طول المدة يزيد الشجرة قوة ورسوخا، ويزيد القاطع ضعفا ووهنا، فما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه قط في المشيب، بل من العناء رياضة الهرم، ومن التعذيب تهذيب الذيب، والقضيب الرطب يقبل الانحناء، فإذا جف وطال عليه الزمان لم يقبل ذلك.

فإذا كنت أيتها النفس لا تفهمين هذه الأمور الجلية، وتركنين إلى التسويف، فما بالك تدعين الحكمة، وأية حماقة تزيد على هذه الحماقة؟. ولعلك تقولين: ما يمنعني من الاستقامة إلا حرصي على لذة الشهوات، وقلة صبري على الآلام والمشقات، فما أشد غباوتك، وأقبح اعتذارك.

ان كنت صادقة في ذلك فاطلبي التنعم بالشهوات الصافية من الكدورات الدائمة أبد الآباد (2) ، ولا مطمع في ذلك إلا في الجنة، فإن كنت ناظرة لشهوتك فالنظر لها في مخالفتها، فرب أكلة تمنع أكلات.

وما قولك في عقل مريض أشار عليه الطبيب بترك الماء البارد ثلاثة أيام، ليصح ويهنأ بشربه طول عمره، وأخبره أنه ان شرب ذلك مرض مرضا مزمنا، وامتنع عليه شربه طوال العمر، فما مقتضى العقل في قضاء حق الشهوة: أيصبر ثلاثة أيام ليتنعم طول العمر، أم يقضي شهوته في

(1) تعبد العبد بقلعها: أي طلب الله من عبده أن يعبده ويتقرب إليه باقتلاعها.

(2) أبد الآباد: دهر الدهور، وهذا يفيد الاستمرار الدائم طول الدهور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت