فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 1257

فإن كنت يا نفس قد عرفت جميع ذلك، وآمنت به، فمالك تسوفين (1) العمل والموت لك بالمرصاد، ولعله يختطفك من غير مهلة. فبماذا أمنت استعجال الأجل؟ وهبك أنت وعدت بالامهال مائة سنة، أفتظنين أن من يطعم الدابة في حضيض العقبة (2) يفلح ويقدر على قطع العقبة بها؟. ان ظننت ذلك فما أعظم جهلك.

أرأيت لو سافر رجل ليتفقه في الغربة فأقام فيها سنين متعطلا بطالا (3) ، يعد نفسه بالتفقه في السنة الأخيرة عند رجوعه إلى وطنه، هل كنت تضحكين من عقله وظنه أن تفقيه النفس مما يطمع فيه بمدة قريبة، أو حسبانه أن مناصب الفقهاء تنال من غير تفقه، اعتمادا على كرم الله سبحانه وتعالى!.

ثم هبي أن الجهد في آخر العمر نافع، وأنه موصل إلى الدرجات العلى، فلعل اليوم آخر عمرك، فلم لا تشتغلين فيه بذلك، فإن أوحي إليك بالامهال، فما المانع من المبادرة، وما الباعث لك على التسويف؟.

هل لك سبب إلا عجزك عن مخالفة شهواتك لما فيها من التعب والمشقة؟.

أفتنظرين يوما يأتيك لا تعسر فيه مخالفة الشهوات؟. هذا يوم لم يخلقه الله قط، ولا يخلقه، فلا تكون الجنة قط إلا محفوفة بالمكاره، ولا تكون المكاره قط خفيفة على النفوس، وهذا محال وجوده.

أما تتأملين مذ كم تعدين نفسك وتقولين: غدا غدا؟. فقد جاء العد

(1) تسوفين: تؤجلين وتماطلين، وفي المثل: «فلان يقتات السوف، أي يعيش بالأماني» .

(2) العقبة: الطريق الوعر في الجبل.

(3) متعطلا بطالا: المتعطل الذي لا عمل له، والبطال صاحب الباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت