حقه من صحة النية وحضور القلب وصرف الشواغل، سواء كانت العبادة طوافا أو صلاة أو ذكرا أو فكرا، وادعوه وحده مخلصين له الدين، بأن لا تشوبوا دعاءكم ولا غيره من عبادتكم له بأدنى شائبة من الشرك الأكبر، وهو التوجه إلى غيره من عباده المكرمين، كالملائكة والرسل والصالحين، ولا إلى ما وضع للتذكير بهم، من الأصنام والقبور وغيرها، ولا من الشرك الأصغر، وهو الرياء وحب اطلاع الناس على عبادتكم، والثناء عليكم، والتنويه بذكركم فيها، وكانوا يتوجهون إلى غيره زاعمين أن المذنب لا يليق به أن يقبل على الله وحده ويقيم وجهه له حنيفا، بل لا بد له أن يتوسل إليه بأحد من عباده الطاهرين المكرمين، ليشفع لهم عنده، ويقربهم إليه زلفى، وهذا من وسواس الشيطان».
ويقول الله تعالى في سورة الزمر: (انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين، إلا لله الدين الخالص) (1) . ويتحدث الفخر الرازي عن هذا النص الكريم، فيقول ضمن ما يقول: «انه تعالى لما بيّن في قوله (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ) أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق والصواب، أردف هنا بعض ما فيه من الصدق، وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص، فهو المراد من قوله تعالى: (فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا) وأما براءته من عبادة غير الله تعالى فهو المراد بقوله: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ) لأن قوله: ألا لله، يفيد الحصر، ومعنى الحصر أن يثبت الحكم في المذكور، وينتفي عن غير المذكور» . ثم أضاف: «أما العبادة فهي فعل أو قول، أو ترك فعل أو ترك قول يؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب قبوله.
وأما الإخلاص فهو أن يكون الداعي له إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك مجرد هذا الانقياد والامتثال، فإن حصل منه داع آخر فاما
(1) سورة الزمر، الآيتان 2 و 3.