وقال أبو عثمان: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط.
وقال المحاسبي: الإخلاص هو إخراج الخلق عن معاملة الرب.
وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وكان معروف الكرخي يقول لنفسه: أخلصي تتخلصي.
وقال الجنيد: ان لله عبادا عقلوا، فلما عقلوا عملوا، فلما عملوا أخلصوا، فاستدعاهم الإخلاص إلى باب البر أجمع.
وقال حاتم الأصم: يعرف الإخلاص بالاستقامة، والاستقامة بالرجاء، والرجاء بالإرادة، والإرادة بالمعرفة.
وقال أحمد بن عاصم: إذا عملت عملا صالحا، فلم تحب أن تذكر به وتعظم من أجل عملك، ولم تطلب ثواب عملك من سواه، فذلك إخلاص عملك.
وقال عبد الله الأنطاكي: إخلاص العمل أشد من العمل، والعمل يعجز عنه الرجال.
وقال محمد بن علي الترمذي: ليس الفوز هناك بكثرة الأعمال إنما الفوز هناك بإخلاص الأعمال وتحسينها.
وقال خير النساج: الإخلاص هو الذي لا يقبل عمل عامل إلا به ... الخ.
وهناك نوع من الإخلاص قد نستطيع أن نسميه بالإخلاص الموقوت أو المتقطع، ويمكن أن نلحظه حين نجد القرآن الكريم يقول في سورة
يونس: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ، وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ، دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ! يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (1) .
ويقول في سورة العنكبوت: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون) (2) .
ويقول في سورة لقمان: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور) (3) .
ومعنى دعائهم هنا - كما يقول الآلوسي - هو أنهم دعوا الله من غير إشراك سواه في الرجاء، لرجوعهم من شدة الخوف إلى الفطرة التي جبل عليها كل أحد من التوحيد، وأنه لا متصرف إلا الله سبحانه، وهذا شيء مركوز في طبائع الناس يظهر عند الشدائد.
ولقد روي أن عكرمة بن أبي جهل ركب البحر يوم فتح مكة هاربا، فأصابتهم ريح عاصف، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا.
فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص، ما ينجيني في
(1) سورة يونس، الآيتان 22 و 23.
(2) سورة العنكبوت، الآية 65.
(3) سورة لقمان، الآية 32.