فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 1257

وقد خفي عليهم - لشقاوتهم - أن العبد المطلوب بدرجة الإخلاص هو العبد المهذب المؤدب، الذي هجر السيئات، وجرد الطاعات، وعمل في الارادات، ونازل الأحوال والمقامات، حتى أداه ذلك إلى صفاء الإخلاص.

فأما من هو أسير هواه، ورهين نفسه وشيطانه، وهو «في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها» فهو محجوب عن حال أهل البدايات، فكيف يصل إلى ما بعد ذلك؟.

فمثل هؤلاء كمثل من سمع بالجوهرة النفيسة أنها تكون صافية مدورة، فوقع في يده خرزة من الزجاج فأعجبته تلك، لأنها مدورة صافية، فلما احتاج إليها حملها إلى من يعرف الجواهر، فقال له: هي زجاجة لا قيمة لها، فلم يدعه الجهل والطمع الكاذب أن يرمي بها من قلة معرفته بالزجاج والجوهر.

وفضيلة الإخلاص هي التي تحرك في نفس الإنسان كريم البواعث ونبيل الحوافز، فلا يتحرك إلى العمل لهوى خسيس، أو غل دنيء، أو رياء موبق، بل يتحرك طلبا لرضا الله سبحانه، وحبا في عمل الخير، ورغبة في التعاون مع كرام الناس، وتطلعا إلى سيادة الحق والعدل والبر، وهذا لا يمنع الإنسان أن يتمتع بالطيبات وزينة الله في هذه الحياة.

والإخلاص بعد هذا تتعدد جهاته ونواحيه ومقاصده في الحياة، فإذا كنا نرى في القمة إخلاص العبد لربه، وهو افراده بالعبادة والتقديس، ففي ظلال هذه القمة تبدو ألوان أخرى من الإخلاص، فهناك إخلاص الإنسان لوطنه، بان يحبه ويدافع عنه، ويضحي في سبيله بالنفس والنفيس، وهناك إخلاص المرء لأهله وأصدقائه ومواطنيه، وهناك إخلاص المرء لبني الإنسان. وهم اخوته في الإنسانية، بأن يريد لهم الخير، ويعمل لذلك ما استطاع إليه سبيلا.

وما شاع الإخلاص بين قوم في شؤون الدين والدنيا إلا عمهم الخير والحق، وزهق بينهم الشر والباطل، وكانوا في الأولى والآخرة من السعداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت