فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 1257

وقد أمر الله عز شأنه عباده بأن يتخذوا من فضيلة الوفاء درعا وحصنا وزينة لنفوسهم وأخلاقهم، فقال في سورة الحج: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) ، وقال في سورة النحل: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ) . وقال في سورة الإسراء: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) . وقال في سورة الأنعام: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ) .

ومن سمو مكانة الوفاء في حديث القرآن الكريم أن الله جل جلاله جعل الوفاء جزاء لمكارم الأعمال والخصال، فقال في سورة البقرة: (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) . وقال في سورة الأنفال: (وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) . وقال في سورة الزمر: (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) .

وإذا انتقلنا إلى روضة السنة المطهرة المفسرة لكتاب الله سبحانه،

وجدنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمجد فضيلة الوفاء ويرفع قدرها، فهو يقول: «المسلمون عند شروطهم» . وهذا تعبير وجيز بليغ، يصوّر ارتباط المسلمين بعهودهم، ووقوفهم عند كلمتهم، ووفائهم بما يشترطونه على أنفسهم. ويقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «عدة المؤمن دين» والعدة هي الوعد. ويقول: «عدة المؤمن كالأخذ باليد» .

والرسول عليه الصلاة والسّلام هو الذي ضرب المثل الرائع في الوفاء، حينما حفظ عهد زوجته خديجة رضي الله عنها، حفظه في حياتها وبعد مماتها، ولم يشغله عن ذكراها شاغل، فكان يكثر من الحديث عنها والثناء عليها، وحينما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها مشيرة إلى خديجة بمقتضى الغيرة: هل كانت إلا عجوزا أبدلك الله خيرا منها؟. انكر عليها ذلك وأجابها غاضبا: لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني، إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرص الناس، وكانت وكانت، وكان لي منها ولد.

ويضرب الرسول مثلا رائعا آخر في الوفاء بالوعد، فقد روى عبد الله ابو الحمساء رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية (أي من ثمن المبيع) فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: يا فتى، لقد شققت عليّ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت