فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 1257

ولعل أجمع الآيات القرآنية لأنواع الوفاء قول الله تبارك وتعالى في فاتحة سورة المائدة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، ولذلك قال السيد رشيد رضا ان أساس العقود الثابت في الإسلام هو هذه الجملة البليغة المختصرة المفيدة: «أوفوا بالعقود» ، لأنها تفيد أنه يجب على كل مسلم أن يفي بما عقده وارتبط به، فكل قول أو فعل يعده الناس عقدا فهو عقد يجب أن يوفوا به كما أمر الله تعالى، ما لم يتضمن تحريم حلال أو تحليل حرام.

ويروى عن ابن عباس أن المراد بالعقود عهود الله التي عهد إلى عباده: «ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حدّ في القرآن كله: لا تغدروا ولا تنكثوا» . وعن الراغب أن العقود - باعتبار المعقود والعاقد - ثلاثة أضرب: عقد بين الله تعالى والعبد، وعقد بين العبد ونفسه، وعقد بينه وبين غيره من البشر، وكل واحد منها باعتبار الموجب له ضربان: ضرب اوجبه العقل، وهو ما ركز الله تعالى معرفته في الإنسان، فيتوصل إليه اما ببديهة العقل، واما بأدنى نظر، وهو ما دل عليه قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ... ) الآية، وضرب أوجبه الشرع، وهو ما دلنا عليه كتاب الله تبارك وتعالى، وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فهذه ستة أضرب.

وكل واحد منها اما ان يلزم ابتداء، أو يلزم بالتزام الإنسان إياه، والثاني أربعة أضرب، فالأول واجب الوفاء. كالنذور المتعلقة بالقربات، مثل ان يقول الإنسان: عليّ لله أن أصوم كذا ان عافإني الله تعالى، والثاني يستحب الوفاء به، ويجوز تركه، كمن حلف على ترك فعل مباح، فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك المباح، والثالث يستحب ترك الوفاء به، وهو ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «إذا حلف أحدكم على شيء، فرأى غيره خيرا منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» . والرابع يجب ترك الوفاء به، نحو أن يقول: عليّ أن أقتل فلانا المسلم. ويحصل من هذه التفريعات أربعة وعشرون ضربا من ضروب العقود.

وللصوفية مذهبهم في تصوير الوفاء، فمعروف الكرخي يقول: «حقيقة الوفاء إقامة السر عن رقدة الغفلات، وفراغ الهمم من فضول الآفات» . ويقول أبو بكر الشبلي: «الوفاء هو الإخلاص بالنطق، واستغراق السرائر بالصدق» . والقشيري في «لطائف الإشارات»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت