ويقول ابن القيم في حديثه عن التوكل: «فترك الأسباب المأمور بها فادح في التوكل، وقد تولى الحق ايصال العبد بها، وأما ترك الأسباب المباحة فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحة فممدوح والا فهو مذموم» . ويقول أيضا: «فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل البتة» . ويقول عن بصراء الصوفية: «وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، والا فهو بطالة وتوكل فاسد. قال سهل بن عبد الله: من طعن في الحركة
(العمل) فقد طعن في السّنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم، والكسب سنته، فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته».
والعبد يتوكل على الله أن يقيمه في سبب يوصله إلى مطلوبه، فإذا قام به توكل على الله في حال مباشرته، فإذا أتمه توكل على الله في حصول ثمراته، فكأن التوكل سيصاحب المؤمن في مراحل سعيه وعمله. ولقد كان رسول الله عليه الصلاة والسّلام أصدق المتوكلين، ومع ذلك كان يحمل معه الزاد في السفر، ولبس درعين حينما قاتل في غزوة أحد، وكان يدخر لأهله قوت سنة: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» !.
وما أجمل العبارة التي ذكرها صاحب المنار، وفيها يقول: «ان هناك أمورا تخفى علينا أسبابها، ويعمى علينا طريق طلابها، فيجب علينا بارشاد الدين والفطرة أن نلجأ فيها إلى ذي القوة الغيبية، ونطلبها من مسبب الأسباب، لعله بعنايته ورحمته - يهدينا إلى طريقها، أو يبدلنا خيرا منها. ويجب مع هذا بذل الجهد والطاقة من العمل بما نستطيع من الأسباب، حتى لا يبقى في الإمكان شيء، مع اعتقادنا بأن الأسباب كلها من فضل الله تعالى علينا ورحمته بنا، إذ هو الذي جعلها طرقا للمقاصد، وهدانا إليها بما وهبنا من العقل والمشاعر.
لا يسمح الدين للناس بأن يتركوا الحرث والزرع، ويدعوا الله تعالى أن يخرج لهم الحب من الأرض بغير عمل منهم، أخذا بظاهر قوله: (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) ، وإنما يهديهم إلى القيام بجميع الأعمال الممكنة لانجاح الزراعة، من الحرث والتسميد، والبذر والسقي، وغير ذلك، وأن يتكلوا على الله تعالى بعد ذلك فيما ليس بأيديهم، ولم يهدهم لسببه بكسبهم، كانزال الأمطار، وافاضة الأنهار، ودفع الحوائج.