فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 1257

وورد في الحديث القدسي ما يدعو إلى التحلي بالرجاء في الله، والحث على حسن الظن به، فقال: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما يشاء» . وقال: «يا ابن آدم، انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي» . وأكد الحديث النبوي هذا المعنى الجميل النبيل فقال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه» .

ويرى الإمام ابن القيم أن منزلة الرجاء منزلة كريمة سامية، لأنها تكشف عن فضيلة جليلة عالية، وهو يبسط هذا المعنى بعبارته التي تذكر أن الرجاء هو «هو عبودية، وتعلق بالله من حيث اسمه «المحسن البر» ، فذلك التعلق والتعبد بهذا الاسم والمعرفة لله، هو الذي أوجب للعبد الرجاء، من حيث يدري ومن حيث لا يدري، فقوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وغلبة رحمته غضبه، ولو لا روح الرجاء لعطّلت عبودية القلب والجوارح، وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، بل لو لا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة، ولو لا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الارادات».

ثم يسوق أبياتا من الشعر يقول فيها:

لو لا التعلق بالرجاء تقطعت ... نفس المحب تحسرا وتمزقا

وكذاك لو لا برده بحرارة الأ ... كباد ذابت بالحجاب تحرقا

أيكون قط حليف حب لا يرى ... برجائه لحبيبه متعلقا؟

أم كلما قويت محبته له ... قوي الرجاء فزاد فيه تشوقا

لو لا الرجا يحدو المطيّ لما سرت ... بحمولها لديارهم ترجو اللقا

ثم يردف ذلك بقوله: «وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء، فكل محب راج خائف بالضرورة، فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه، وكذلك خوفه، فإنه يخاف سقوطه من عينه، وطرد محبوبه له وابعاده واحتجابه عنه، فخوفه أشد خوف، ورجاؤه ذاتي للمحبة، فإنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه، فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له، لما يحصل له به من حياة روحه، ونعيم قلبه من الطاف محبوبه، وبره وإقباله عليه، ونظره إليه بعين الرضى، وتأهيله في محبته، وغير ذلك مما لا حياة للمحب ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه، فرجاؤه أعظم رجاء وأجله وأتمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت