فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 1257

فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبودية والمحبة، فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء، وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه، لكن خوف المحب لا يصحبه وحشة، بخلاف خوف المسيء، ورجاء المحب لا تصحبه علة، بخلاف رجاء الأخير».

وينبغي أن نفهم أن الرجاء يستعمل بمعنى الخوف في لغة القرآن، وذلك لأن الراجي يخاف ألا يحقق أمله، ومن قبيل استعماله مادة الرجاء بمعنى الخوف قول الله تعالى: (ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا) . أي ما لكم لا تخافون لله عظيمة؟.

والرجاء والخوف في مفهوم مهذبي الأخلاق ومؤدبي الأرواح يتلازمان، لأن التطلع إلى المرغوب يصحبه توقع لحدوث المكروه، فيظل الإنسان راجيا وهو خائف، ويظل خائفا وهو راج، وبذلك يكون على الصراط. بمفهوم قول الله تعالى عن عباده الطيبين:(يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ

أَقْرَبُ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ). وقد أعطى أبو علي الروذباري تصويرا جميلا لهذا التلازم بين الرجاء والخوف، فصورهما بصورة جناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهب الجناحان صار الطائر في حد الموت!

ولقد روت السنة المطهرة أن سيدنا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه دخل على رجل وهو في النزع، فسأله: كيف تجدك؟. فقال الرجل: أجدني أخاف ذنوبي، وأرجو رحمة ربي. فقال النبي: «ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجا، وأمنه مما يخاف» .

ونجد أبا حامد الغزالي أيضا يستحسن أن يصور الرجاء والخوف عند المؤمنين بأنهما جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود، فإنه لا يقود إلى حمى الرحمن وساحة الجنان، مع أن هذا الطريق بعيد الأرجاء، ثقيل الأعباء، محفوف بمكاره القلوب ومشاق الارواح والأعضاء، إلا أسباب الرجاء، ولا يصون عن نار الجحيم والعذاب الأليم - مع كون طريقها محفوفا بلطائف الشهوات وعجائب اللذات - إلا سياط التخويف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت