ويأتي حاتم الأصم فيجعل أصل الطاعة ثلاثة أشياء هي: الرجاء والخوف والحب، فيضيف إليهما الحب كما ترى، ويؤكد أبو علي الجوزجاني هذا حين يجعل الخوف والرجاء والمحبة من أسس التوحيد، لأن زيادة الرجاء تأتي من اكتساب الخير لرؤية الوعد، وزيادة الخوف تأتي من كثرة الذنوب لرؤية الوعيد، وزيادة المحبة تأتي من كثرة الذكر لرؤية المنّة، فالراجي لا يستريح من الطلب، والخائف لا يستريح من الهرب، والمحب لا يستريح من ذكر المحبوب، فالرجاء نور منوّر، والخوف نار منوّرة، والمحبة نور الأنوار.
وهكذا يربط هذا البيان الروحي بين الرجاء والخوف من جهة،
والمحبة من جهة أخرى، فيعطى الرجاء ولازمه الخوف ارتباطا بمحبة الله، فتجعلهما نعمة وضياء، فيأنس العبد بربه، ويعكف على حبه، حتى يحق لسري السقطي أن يقرر أن هناك أشياء لا يسكن معها في القلب غيرها، هي الخوف من الله وحده، والرجاء لله وحده، والحب لله وحده، والأنس بالله وحده: (قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) .
ولقد يشتبه الرجاء بالتمني، مع أن بينهما فرقا ينبغي أن يلحظ، فالرجاء إنما يكون حسن ظن مصحوب بالعمل والطاعة، وحسن التوكل، والراجي كمن يشق أرضه، ويفلحها، ويصلحها، ويستثمرها، ويرجو الحصاد من الرب، ولكن «التمني» يكون مع الكسل وعدم العمل وانقطاع الطاعة، وهو لذلك آفة تصدع الكيان الأخلاقي للإنسان، ومن هنا قال رسول الله عليه الصلاة والسّلام: «الأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني» .
والتمني كما يقول الراغب هو تقدير شيء في النفس، وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن، ويكون عن روية وبناء على أصل، ولكن لما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك، فأكثر التمني تصور ما لا حقيقة له، ولذلك صاروا يعبرون عن الكذب بالتمني.
ولذلك قالوا ان الرجاء ذو شعب ثلاث هي: العلم والمال والعمل، فالعلم يثمر المال، والمال يقتضي العمل، وعنوا كثيرا بالتأكيد على تلازم الرجاء والعمل، حتى لا يكون تمنيا كاذبا، ومما يشير إلى اقتران الرجاء بالعمل قول الله جل جلاله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ) . وكذلك قوله: (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا) .