فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 1257

وإذا كان الرجاء بلا عمل صار غرورا، ويصور الغزالي الفرق بين الرجاء والغرور - أو التمني - بالصورة الحسية الموضحة المجسمة التي يقول فيها: «فكل من طلب أرضا طيبة، وألقى فيها بذرا جيدا غير عفن ولا مسوس. ثم أمده بما يحتاج إليه، وهو سوق الماء في أوقاته، ثم نقى الشوك عن الأرض والحشيش وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده، ثم جلس منتظرا من فضل الله تعالى دفع الصواعق والآفات المفسدة، إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته، سمي انتظاره رجاء.

وان بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة، لا ينصب إليها الماء، ولم يشتغل بتعهد البذر أصلا، ثم انتظر الحصاد منه، سمي انتظاره حمقا وغرورا لا رجاء. وان بث البذر في أرض طيبة، لكن لا ماء لها، وأخذ ينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار ولا تمتنع أيضا، سمي انتظاره تمنيا لا رجاء ... ».

وإذا تعرفنا إلى درجات الرجاء وجدنا أولاها وأعلاها هي رجاء المؤمن الذي يعمل لطاعة الله، على نور من الله، وهو يرجو ثوابه، وأقل منها درجة هي رجاء من أذنب ذنوبا ثم تاب منها، فهو يرجو عفو الله وغفرانه وإحسانه، وأحط الدرجات رجاء من يتمادى في الخطأ والاهمال، ثم يرجو رحمة ربه بلا عمل، وهذا رجاء كاذب، لأن الرجاء لا يصدق إلا مع العمل.

ولا يليق بالعاقل أن يتوسع في الرجاء فيخرج به عن حد الفضيلة إلى أن يكون لهوا صارفا عن الإيمان بالله والاستجابة له، فإن الحق جل جلاله يقول في شأن الكافرين: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) أي اترك هؤلاء الكافرين، لا يهمهم إلا أن يأكلوا

ويتمتعوا بشهواتهم، ويشغلهم الأمل الواسع عن الاتجاه إلى الإيمان بالله وطاعته، فسوف يعلمون العاقبة الوخيمة لذلك، يوم يلقون الله فيعاقبهم على كفرهم، وحينئذ يعلمون علم اليقين أنهم كانوا في باطل وضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت