وحمل القرآن على الإنسان الجاحد الضال بسبب يأسه وقنوطه، فقال في سورة هود: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ) . أي انه في هذه الحالة شديد اليأس من الرحمة، قطوع الرجاء من عودة تلك النعمة، كثير الكفران لغيرها من النعم التي لا يزال يتمتع بها، فضلا عما سلف منها، فهو يجمع بين اليأس مما نزع منه، والكفر بما بقي له، لحرمانه من فضيلتي الصبر والشكر.
ويقول في سورة الإسراء: (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا) . أي إذا أنعمنا عليه تكبر وتباعد عن القيام بحقوق الله، وإذا ابتلاه الله بشدة من فقر أو مرض يئس وقنط، لأنه لا يثق بفضل الله تعالى، ولا يحسن الظن به. ويقول في سورة العنكبوت: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ... ) الخ.
وأما المؤمن الذي هداه الرحمن ورباه القرآن، فإنه يعتصم بحبل الله القوي المتين، ويستضيء بهدي ربه المبين، فيظل متمسكا بعروة الأمل والرجاء، ان نالته نعمة شكر، وان ابتلاه الله احتمل وصبر، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
ويأتي حديث الرجاء عند الصوفية ...
ان الصوفية يعرّفون الرجاء بعدة تعريفات. فالرجاء هو الثقة بجود الله تعالى، وهو الارتياح لمطالعة كرم الله سبحانه، وهو الاستبشار
بجود الرب وفضله تبارك وتعالى، وهو النظر إلى سعة رحمة الله عز وجل، إلى غير ذلك من التعريفات.
ويذهب فريق من أهل التصفية الروحية واللطائف الأخلاقية إلى أن رجاء المخطئ التائب، قد يكون أقوى أو أكمل من رجاء المحسن الذي ينظر إلى عمله، ولذلك كان يحيى بن معاذ يقول في مناجاته لربه:
«يكاد رجائي مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الاعمال، لاني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أصفي الأعمال وأحررها وأنا بالآفات معروف؟ وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟.
الهي، أحلى العطايا في قلبي رجاؤك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك، وأحب الساعات إليّ ساعة يكون فيها لقاؤك»!.
وهذا رجاء رحيب الأرجاء، يذكرنا بقول الشاعر في هذا الباب:
واني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع!