ثم ضرب تعالى مثل الكافرين والمؤمنين، فقال: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ) أي الذين وصفهم أولا بالشقاء، والمؤمنين بالسعادة، فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير والسميع، فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا والآخرة، لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج فلا يسمع ما ينتفع به: (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ) الآية.
وأما المؤمن ففطن ذكي لبيب بصير بالحق، يميز بينه وبين الباطل، فيتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجة، يفرق بينها وبين الشبهة، فلا يروج عليه باطل، فهل يستوي هذا وهذا؟ أفلا تذكرون؟ .. أفلا تعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء»؟.
ونلاحظ في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ان الآية ذكرت الإيمان أولا، ثم ذكرت العمل الصالح ثانيا، ثم ذكرت الإخبات
بعد ذلك، وهذا الترتيب يشير إلى أن الإخبات كأنه ثمرة للإيمان والعمل، والمعنى العام للآية هو أن الذين آمنوا واعتقدوا بربوبية الله اعتقادا جازما، وصدقوا قوله وحكمه، ثم قرنوا الإيمان بالعمل الصالح، واطمأنت نفوسهم بالإيمان، ولانت قلوبهم، وخشعوا واطمأنوا، فلم يبق عندهم زلزال ولا اضطراب، أولئك المتصفون بما سبق هم أصحاب الجنة المستحقون لها بالذات، الخالدون فيها أبدا.
وجاء ذكر المخبتين مرة ثانية في قوله تعالى في سورة الحج: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ، فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) أي الخاشعين المتواضعين، أو المطمئنين، أو الوجلين، أو الراضين بقضاء الله المستسلمين له، أو الذين لا يظلمون غيرهم، أو الذين ان ظلمهم غيرهم لم ينتصفوا ... هكذا تحدثت التفاسير المختلفة عن كلمة «المخبتين» . ولعل أحسن تفسير لهم هو ما جاء في الآية التالية، وهي قوله تعالى عقب ذلك: (الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ، وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) .