فهرس الكتاب

الصفحة 449 من 1257

والمعنى العام للآية الأولى هو: لقد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة، من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من جاء بعده، ضربا من ضروب القربان، يذبحونه تقربا إلى الله، من الابل أو البقر أو الغنم، ليذكروا اسم الله، والمشرع واحد هو الله، وإنما تختلف التكاليف باختلاف الازمنة والاشخاص، لاختلاف المصالح. فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم الله، فالهكم إله واحد لا شريك له، فاياه فاعبدوا، وله أخلصوا الطاعة واستسلموا لحكمه، وانقادوا له في جميع التكاليف، فمن انقاد كان مخبتا، وبشر يا رسول الله أولئك الخاضعين لله بالطاعة،

المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة، المطمئنين إلى الله المتواضعين له.

والآية الثانية نفهم منها أن هؤلاء المتحلين بفضيلة الإخبات، يتصفون بأربع صفات، أولاها هي أن قلوبهم تخاف الله وتخشاه، وثانيتها أنهم يصبرون على ما يسوقه الله إليهم من ابتلاء أو اختبار، وثالثتها أنهم يحافظون على الصلوات ويؤدونها سليمة قويمة، ورابعتها أنهم ينفقون مما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأقاربهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى الخلق، مع محافظتهم على حدود الله.

ومما رواه التاريخ بمناسبة قول الله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان إذا رأى الربيع بن خيثم قال عنه: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) . فلم كان يقول عنه ذلك كلما رآه؟!

روى الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في ذلك أن الربيع كان كثير الخشوع لله، وكان يغض بصره ويطرق، فيحسب الناس أنه كفيف البصر، وكان يزور ابن مسعود، فإذا طرق عليه الباب، وفتحت الجارية له، رأته مطرقا غاضا بصره، فتعود إلى ابن مسعود وتقول له: «صديقك الأعمى قد جاء» ! ..

ويخرج ابن مسعود إلى استقباله قائلا له: «وبشر المخبتين، أما والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم لفرح بك، أو لأحبك» .

والربيع هذا الذي كان مثلا من أمثلة المخبتين، ونموذجا من نماذج الخاشعين كان يعد أحد الثمانية الذين انتهى إليهم الزهد في التابعين، فقد جاء في «العقد الفريد» أن العتبي قال: «سمعت أشياخنا يقولون: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين: عامر بن عبد القيس، والحسن بن أبي الحسن البصري، وهرم بن حبان، وأبي مسلم الخراساني، وأويس القرني، والربيع بن خيثم، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت