فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 1257

وهو الذي كان يخشع في صلاته، ويشعر بجلال من يناجيه ويصلي له. وكان يقول: «ما دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال لي» .

ولقد رأى بعض الناس الربيع بن خيثم يتعب نفسه في العبادة، فقالوا له ناصحين: لو أرحت نفسك؟. فأجاب: «راحتها أريد» !!.

ولذلك كان يقول: «لو أن لي نفسين، إذا علقت إحداهما سعت الأخرى في فكاكها؟. ولكنها نفس واحدة، فإن أنا أوثقنها من يفكها» ؟!

ومن نصائحه أيضا قوله: «كن وصي نفسك، ولا تجعل أوصياءك الرجال» .

وحينما مرض الربيع بن خيثم قيل له: ألا ندعو لك طبيبا؟

فقال: أنظروني. ثم فكر وقال: «وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا، قد كانت فيهم أطباء، فما أرى المداوي بقي ولا المداوى، هلك الناعت، والمنعوت له، لا تدعوا لي طبيبا» !.

وأوصى الربيع بن خيثم - وكفى بالله شهيدا، وجازيا لعباده الصالحين ومثيبا - فكانت وصيته: «اني رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وأوصي نفسي ومن أطاعني، أن يعبد الله في العابدين، ويحمده في الحامدين، وينصح لجماعة المسلمين» .

وأوصى أهله بشأن ما يفعلونه عند موته: «لا تشعروا بي أحدا، وسلّوني إلى ربي سلّا» !!.

لعلنا بعد هذا نعرف لماذا كان ابن مسعود يردد قوله: «وبشر المخبتين» كلما رأى الربيع بن خيثم، ولماذا كان يقول له كلما رآه: أما والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم لفرح بك، أو لأحبك».

والموطن الثالث الذي جاء فيه ذكر فضيلة «الإخبات» هو قول الله تعالى في سورة الحج: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَيُؤْمِنُوا بِهِ، فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ، وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) .

وقوله: (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) أي تلين وتخشع، وتذل وتخضع، وتذعن للقرآن وتقر بما فيه.

ولنلاحظ أن الآية الكريمة ذكرت العلم بالحق، ثم ذكرت الإيمان ثم ذكرت الإخبات، ثم ذكرت الاستقامة على صراط الهدى والفلاح، فكأن الإخبات ثمرة للعلم والإيمان، ومفتاح الاستقامة والاهتداء، وفي ذلك ما فيه من تذكير بمكانة فضيلة «الإخبات» وشأنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت