ولنلاحظ أيضا أن القرآن الكريم قد ذكر هؤلاء المخبتين العالمين المؤمنين المهتدين، في آية تتوسط بين آية سابقة عليها تتحدث عن الذين لهم قلوب قاسية والذي قست قلوبهم، وآية لاحقة لها تتحدث عن الكافرين الذين لا يزالون في شك ومرية، حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم، ومن هذا الأسلوب نستطيع أن نفهم أن المخبتين ليس للشيطان عليهم من سبيل.
وهكذا يسير النظم القرآني البليغ في هذا الموطن:(لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ. وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ،
فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ، وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً، أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ).
وللصوفية مع «الإخبات» حديث، فالإخبات عندهم - كما يقول الهروي - هو أول مقامات الطمأنينة. وكذلك يقول الهروي: «الإخبات ورود المأمن من الرجوع والتردد» . ويقبل ابن القيم على شرح هذه الجملة فيقول: «لما كان الإخبات أول مقام يتخلص فيه السالك من التردد، الذي هو نوع غفلة واعراض، والسالك مسافر إلى ربه، سائر إليه على مدى أنفاسه، لا ينتهي مسيره إليه ما دام نفسه يصحبه، شبّه حصول الإخبات له بالماء العذب الذي يرده المسافر على ظمأ وحاجة في أول مناهله، فيرويه منهله، ويزيل عنه خواطر تردده في اتمام سفره، أو رجوعه إلى وطنه لمشقة السفر.
فإذا ورد ذلك الماء زال عنه التردد وخاطر الرجوع، كذلك السالك إذا سلك مورد الإخبات تخلص من التردد والرجوع، ونزل أول منازل الطمأنينة بسفره، وجدّ في السير»!.
والإخبات عندهم درجات ومراتب، أولاها أن تسيطر عزيمة السالك على شهوته فلا يميل إلى مطالب النفس، بل تتغلب إرادته على غفلته، وثانيتها ألا ينقض عزيمته سبب، ولا تعرض له وحشة في سعيه نحو ربه، ولا تقطع الفتنة عليه طريقه، وثالثتها أن تعلو همته وتعلو، حتى يستوي عنده المدح والذم، فلا يفرح لمدح الناس، ولا يحزن لذمهم.