وهم يرون أن النفس بشهواتها وميولها هي العائق الأكبر عن الوصول إلى صدق التحلي بفضيلة الإخبات إلى الله عز وجل، وهي الحجاب الذي يحول دون وصول العبد إلى الله، ولذلك يقول ابن
القيم: «فالنفس جبل عظيم شاق في طريق السير إلى الله عز وجل، وكل سائر لا طريق له إلا على ذلك الجبل، فلا بد أن ينتهي إليه، ولكن منهم من هو شاق عليه، ومنهم من هو سهل عليه وانه ليسير على من يسره الله عليه.
وفي ذلك الجبل أودية وشعوب، وعقبات وو هود، وشوك وعوسج، وعليق وشبرق، ولصوص يقطعون الطريق على السائرين، ولا سيما أهل الليل المدلجين، فإذا لم يكن معهم عدد الإيمان ومصابيح اليقين تتقد بزيت الإخبات، والا تعلقت بهم تلك الموانع، وتشبثت بهم تلك القواطع، وحالت بينهم وبين السير، فإن أكثر السائرين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته.
والشيطان على قلّة ذلك الجبل يحذر الناس من صعوده وارتفاعه، ويخوفهم منه، فيتفق مشقة الصعود، وقعود ذلك المخوف على قلته، وضعف عزيمة السائر ونيته، فيتولد من ذلك الانقطاع والرجوع والمعصوم من عصمه الله.
وكلما رقي السائر في ذلك الجبل اشتد به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه، فإذا قطعه وبلغ قلّته، انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانا، وحينئذ يسهل السير، وتزول عنه عوارض الطريق ومشقة عقباتها، ويرى طريقا واسعا آمنا، يفضي به إلى المنازل والمناهل، وعليه الأعلام وفيه الاقامات قد أعدت لركب الرحمن.
فبين العبد وبين السعادة والفلاح قوة عزيمة، وصبر ساعة، وشجاعة نفس، وثبات قلب، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم».
فليرفع المؤمن رأسه إلى السماء قبلة الدعاء، وليرج ربه أن يحليه بفضيلة الإخبات والخشوع والطاعة. وليدع كما دعا رسول الله عليه الصلاة والسّلام: اللهم اجعلني لك مخبتا! .. والبشرى للمخبتين! ..