فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 1257

وإذا كان خفض الصوت أمرا محبوبا وخلقا كريما، إذا كان المتحدث يحدث من يحترمه أو يعزه أو يجله، فإن هذا الخلق يلزم أن يأتي على كماله وتمامه إذا كان الخطاب موجها إلى رسول الله خير الإنسانية عليه الصلاة والسّلام، ولذلك نرى القرآن الكريم يقول في سورة الحجرات: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) .

ثم عاب القرآن عقب ذلك مباشرة على طائفة من الناس لم تغض صوتها وهي تخاطب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

وكانت هذه الآيات درسا أي درس، ليتعلم الناس من حول الرسول أن يغضوا أصواتهم عند خطابه، لأن رفع الصوت يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، وها هو ذا الآلوسي يقول عند حديثه على هذا الدرس: «المعنى نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة، واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون، هو نظير قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً) . (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) أي جهرا كائنا كالجهر الجاري فيما بينكم، فالأول نهي عن رفع الصوت فوق صوته صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهذا نهي عن مساواة جهرهم لجهره عليه الصلاة والسّلام، فإنه المعتاد في مخاطبة الأقران والنظراء بعضهم لبعض، ويفهم من ذلك وجوب الغض، حتى تكون أصواتهم دون صوته صلّى الله تعالى عليه وسلم.

وقيل: الأول مخصوص بمكالمته صلّى الله تعالى عليه وسلم لهم، وهذا بصمته عليه الصلاة والسّلام، كأنه قيل: لا ترفعوا أصواتكم فوق

صوته إذا نطق ونطقتم، ولا تجهروا له بالقول إذا سكت وتكلمتم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت