ويفهم أيضا وجوب كون أصواتهم دون صوته عليه الصلاة والسّلام، فأيا ما كان يكون المآل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته صلّى الله تعالى عليه وسلم، وتعهدوا في مخاطبته اللين القريب من الهمس، كما هو الدأب عند مخاطبة المهيب المعظم، وحافظوا على مراعاة أبهة النبوة وجلال قدرها».
ولقد حافظ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على غض أصواتهم مع النبي، وخاصة بعد أن تلقوا هذا الدرس البليغ، فهذا أبو بكر يقول للنبي: «والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله، لا أكلمك إلا كأخي السرار» . وكان عمر إذا تكلم مع النبي لا يسمع النبي كلامه حتى يستفهم النبي عنه، وكان ثابت بن قيس يقول: «لا أرفع صوتي أبدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
بل لقد حافظوا على غض الصوت مع الرسول بعد وفاته، فكانوا ينكرون رفع الصوت عند قبره الطاهر، فقد روي عن عمر أنه سمع صوت رجلين يرفعانه في مسجد الرسول، فأقبل عليهما غاضبا يقول: أتدريان أين أنتما؟ من أين أنتما؟ فقال: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا.
ولذلك قال الفقهاء: انه يكره رفع الصوت عند قبر النبي، كما كان رفع الصوت مكروها عنده في حياته.
ولقد ضرب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أروع مثل في غض البصر والصوت، فقد كان عفيف النظرة، شديد الحياء، وكان أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان لا يثبت نظره في وجه أحد، وجاء في السنة أنه كان إذا فرح غض طرفه، أي كسره وأطرق، وإنما يفعل ذلك ليكون أبعد من الأشر والفرح، وكان إذا عطس غض؟؟؟ صوته، أي خفضه ولم يرفعه بالصياح.
ولقد عني الحديث النبوي عناية كبيرة بالتحذير من نظرة العين التي
يراد بها السوء، فجاء قوله: «النظرة سهم مسموم من سهام ابليس، فمن تركها خوفا من الله تعالى أعطاه الله تعالى إيمانا يجد حلاوته في قلبه» . وقوله: «زنى العينين النظر» . وقوله: «لتغضن أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمن وجوهكم، أو لتكسفن وجوهكم» .
وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم «غض البصر» في طليعة حقوق الطريق، وقال: «لا تجلسوا على ظهر الطريق، فإن أبيتم فغضوا الأبصار، وردوا السّلام، واهدوا الضال، وأعينوا الضعيف» . وقال: «غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم» .